دخل ملف الجنوب مرحلة جديدة بعد الحديث عن اتصالات أميركية وقطرية مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، هدفها تثبيت وقف إطلاق النار ومنع عودة التصعيد. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإعلان التهدئة أو تحديد موعد جديد للمفاوضات، إنما بقدرة لبنان على تحويل هذه التهدئة إلى مسار واضح يبدأ بوقف الاعتداءات وينتهي بانسحاب إسرائيلي فعلي وانتشار أوسع للجيش.
أهمية هذا التطور أنه يأتي في لحظة لا تزال فيها إسرائيل تحاول فرض تفسيرها الخاص لوقف النار. فهي تتحدث من جهة عن تقليص قواتها في الجنوب بطلب أميركي، لكنها تتمسك من جهة أخرى بما تسميه حرية الحركة عند وجود تهديد. عمليًا، يعني ذلك أن تل أبيب تريد خفض مستوى الاشتباك من دون التخلي عن القدرة على الضرب، أو عن بعض الوقائع التي فرضتها في الميدان خلال الحرب.
هنا تكمن حساسية فكرة إنشاء خلية لتثبيت وقف النار. فهي قد تكون فرصة للبنان إذا تحولت إلى أداة ضغط على إسرائيل، وإلى قناة تمنع الخروقات وتسرّع الانسحاب. لكنها قد تصبح مشكلة إذا اقتصرت وظيفتها على إدارة التوتر وضبط ردود الفعل، وربما تعداد الخروقات الإسرائيلية ليس إلا كما في السابق، من دون معالجة أصل الأزمة، أي استمرار الاحتلال والاعتداءات وغياب مرجعية واضحة لتنفيذ الاتفاق.
الخلية بين تثبيت الهدوء وتثبيت الأمر الواقع
لا شكّ أنّ لبنان يحتاج إلى آلية متابعة فعلية لوقف النار، لأن التجربة أظهرت أن البيانات السياسية وحدها لا تكفي. في كل مرة يحصل خرق، تبدأ معركة تفسير جديدة: إسرائيل تعتبر ضرباتها دفاعًا استباقيًا، و”حزب الله” يربط أي تهدئة بوقف الاعتداءات والانسحاب، والدولة تحاول تثبيت موقعها كطرف رسمي يفاوض ويطالب بالضمانات. لذلك، تبدو الخلية المقترحة محاولة لسدّ الفراغ بين القرار السياسي والتطبيق الميداني.
لكن نجاح هذه الخلية لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم الرعاية الدولية لها، إنما بما إذا كانت قادرة على إلزام إسرائيل بخطوات واضحة. فإذا كان دورها مراقبة الخروقات، وتثبيت جدول زمني للانسحاب، وفتح الطريق أمام انتشار الجيش في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، فإنها تصبح مكسبًا للبنان. أما إذا تحولت إلى غرفة اتصالات لاحتواء الحوادث فقط، فستكون أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة لا إلى إنهائها.
المشكلة أن إسرائيل تحاول منذ البداية إدخال تعديلات عملية على معنى الانسحاب. فهي لا ترفض التهدئة بالكامل، لأنها تدرك وجود ضغط أميركي، لكنها تريد إبقاء هامش عسكري يسمح لها بالتحرك متى شاءت. بهذا المعنى، قد يصبح تقليص القوات خطوة شكلية إذا لم يقترن بانسحاب واضح من كل النقاط، وبوقف سياسة الضربات المتكررة التي تجعل الجنوب يعيش بين وقف نار معلن وحرب يمكن أن تعود في أي لحظة.
الدولة والجيش أمام اختبار الدور لا اختبار النيات
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، لا يكفي أن يقال إن الجيش سينتشر في الجنوب، فالأهم هو الشروط التي سيحصل الانتشار بموجبها. فإذا جاء الانتشار بعد انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المحتلة، وضمن ضمانات توقف الاعتداءات، يمكن أن يتحول إلى خطوة مركزية في استعادة الدولة دورها. أما إذا جاء في ظل بقاء مواقع إسرائيلية أو مناطق رمادية، فسيصبح الجيش أمام مهمة شديدة التعقيد هي ضبط الداخل، فيما يبقى الطرف الآخر محتفظًا بقرار الضربة.
لهذا يبدو الموقف اللبناني حذرًا. فالحكومة لا تستطيع رفض أي جهد دولي لتثبيت الهدوء، خصوصًا أن الجنوب يحتاج إلى تهدئة فعلية تسمح بعودة الناس وتخفيف الضغط عن القرى الحدودية بعد حرب دموية وقاسية لم تنتهِ فصول مآسيها بعد. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بترتيب يجعل الجيش غطاء لواقع غير مكتمل، أو يحوّل الانسحاب الإسرائيلي إلى عملية مفتوحة بلا نهاية واضحة.
تزداد حساسية المشهد مع دخول ملفات ميدانية إلى التفاوض، من النقاط التي تتمسك بها إسرائيل، إلى الأنفاق والمواقع التي تريد وضعها على الطاولة، وصولًا إلى دور الجيش في تسلم مناطق أو معالجة بنى عسكرية معينة. هذه التفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها تحدد اتجاه المرحلة المقبلة: إما أن تكون بداية عودة تدريجية للدولة إلى الجنوب، أو أن تتحول إلى تفاوض طويل على شكل الوجود الإسرائيلي وحدوده.
في المحصلة، لا تكمن أهمية الخلية المقترحة في اسمها أو الجهات المشاركة فيها، إنما في وظيفتها الفعلية. فإذا كانت مدخلًا لإلزام إسرائيل بالانسحاب ووقف الاعتداءات، فقد تمنح الدولة فرصة لاستعادة المبادرة. أما إذا كانت وسيلة لضبط التصعيد فقط، فيما يبقى الاحتلال قائمًا والضربات ممكنة، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة جديدة من الهدوء الهش، حيث تُدار الحرب بأدوات سياسية من دون أن تنتهي أسبابها.
أهمية هذا التطور أنه يأتي في لحظة لا تزال فيها إسرائيل تحاول فرض تفسيرها الخاص لوقف النار. فهي تتحدث من جهة عن تقليص قواتها في الجنوب بطلب أميركي، لكنها تتمسك من جهة أخرى بما تسميه حرية الحركة عند وجود تهديد. عمليًا، يعني ذلك أن تل أبيب تريد خفض مستوى الاشتباك من دون التخلي عن القدرة على الضرب، أو عن بعض الوقائع التي فرضتها في الميدان خلال الحرب.
هنا تكمن حساسية فكرة إنشاء خلية لتثبيت وقف النار. فهي قد تكون فرصة للبنان إذا تحولت إلى أداة ضغط على إسرائيل، وإلى قناة تمنع الخروقات وتسرّع الانسحاب. لكنها قد تصبح مشكلة إذا اقتصرت وظيفتها على إدارة التوتر وضبط ردود الفعل، وربما تعداد الخروقات الإسرائيلية ليس إلا كما في السابق، من دون معالجة أصل الأزمة، أي استمرار الاحتلال والاعتداءات وغياب مرجعية واضحة لتنفيذ الاتفاق.
الخلية بين تثبيت الهدوء وتثبيت الأمر الواقع
لا شكّ أنّ لبنان يحتاج إلى آلية متابعة فعلية لوقف النار، لأن التجربة أظهرت أن البيانات السياسية وحدها لا تكفي. في كل مرة يحصل خرق، تبدأ معركة تفسير جديدة: إسرائيل تعتبر ضرباتها دفاعًا استباقيًا، و”حزب الله” يربط أي تهدئة بوقف الاعتداءات والانسحاب، والدولة تحاول تثبيت موقعها كطرف رسمي يفاوض ويطالب بالضمانات. لذلك، تبدو الخلية المقترحة محاولة لسدّ الفراغ بين القرار السياسي والتطبيق الميداني.
لكن نجاح هذه الخلية لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم الرعاية الدولية لها، إنما بما إذا كانت قادرة على إلزام إسرائيل بخطوات واضحة. فإذا كان دورها مراقبة الخروقات، وتثبيت جدول زمني للانسحاب، وفتح الطريق أمام انتشار الجيش في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، فإنها تصبح مكسبًا للبنان. أما إذا تحولت إلى غرفة اتصالات لاحتواء الحوادث فقط، فستكون أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة لا إلى إنهائها.
المشكلة أن إسرائيل تحاول منذ البداية إدخال تعديلات عملية على معنى الانسحاب. فهي لا ترفض التهدئة بالكامل، لأنها تدرك وجود ضغط أميركي، لكنها تريد إبقاء هامش عسكري يسمح لها بالتحرك متى شاءت. بهذا المعنى، قد يصبح تقليص القوات خطوة شكلية إذا لم يقترن بانسحاب واضح من كل النقاط، وبوقف سياسة الضربات المتكررة التي تجعل الجنوب يعيش بين وقف نار معلن وحرب يمكن أن تعود في أي لحظة.
الدولة والجيش أمام اختبار الدور لا اختبار النيات
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، لا يكفي أن يقال إن الجيش سينتشر في الجنوب، فالأهم هو الشروط التي سيحصل الانتشار بموجبها. فإذا جاء الانتشار بعد انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المحتلة، وضمن ضمانات توقف الاعتداءات، يمكن أن يتحول إلى خطوة مركزية في استعادة الدولة دورها. أما إذا جاء في ظل بقاء مواقع إسرائيلية أو مناطق رمادية، فسيصبح الجيش أمام مهمة شديدة التعقيد هي ضبط الداخل، فيما يبقى الطرف الآخر محتفظًا بقرار الضربة.
لهذا يبدو الموقف اللبناني حذرًا. فالحكومة لا تستطيع رفض أي جهد دولي لتثبيت الهدوء، خصوصًا أن الجنوب يحتاج إلى تهدئة فعلية تسمح بعودة الناس وتخفيف الضغط عن القرى الحدودية بعد حرب دموية وقاسية لم تنتهِ فصول مآسيها بعد. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بترتيب يجعل الجيش غطاء لواقع غير مكتمل، أو يحوّل الانسحاب الإسرائيلي إلى عملية مفتوحة بلا نهاية واضحة.
تزداد حساسية المشهد مع دخول ملفات ميدانية إلى التفاوض، من النقاط التي تتمسك بها إسرائيل، إلى الأنفاق والمواقع التي تريد وضعها على الطاولة، وصولًا إلى دور الجيش في تسلم مناطق أو معالجة بنى عسكرية معينة. هذه التفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها تحدد اتجاه المرحلة المقبلة: إما أن تكون بداية عودة تدريجية للدولة إلى الجنوب، أو أن تتحول إلى تفاوض طويل على شكل الوجود الإسرائيلي وحدوده.
في المحصلة، لا تكمن أهمية الخلية المقترحة في اسمها أو الجهات المشاركة فيها، إنما في وظيفتها الفعلية. فإذا كانت مدخلًا لإلزام إسرائيل بالانسحاب ووقف الاعتداءات، فقد تمنح الدولة فرصة لاستعادة المبادرة. أما إذا كانت وسيلة لضبط التصعيد فقط، فيما يبقى الاحتلال قائمًا والضربات ممكنة، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة جديدة من الهدوء الهش، حيث تُدار الحرب بأدوات سياسية من دون أن تنتهي أسبابها.











اترك ردك