لم يكن المفتي الشهيد مجرد مرجع ديني، بل كان رجل دولة بامتياز، متمسّكاً بالدستور والميثاق وبصيغة العيش المشترك، رافضاً لكل أشكال الهيمنة والتبعية. كان يرى في الدولة القوية العادلة الملاذ الوحيد لجميع اللبنانيين؛ لذلك، كان اغتياله محاولة صريحة لضرب فكرة «دولة المؤسسات» لصالح «منطق الغاب».
لقد أسّس اغتياله لمرحلة تصفية «لبنان الذي آمن به»، لبنان التعددية والفرادة الحضارية. فمنظومة الإجرام التي لا تجيد إلّا الإبادة الجماعية والفردية وتعميم الفوضى، أرادت تغييب الدور التاريخي والوحدوي لموقع الإفتاء، وجرّ الطائفة السنية، التي شكلت دوماً مدماكاً للاعتدال إلى أتون الصراعات الطائفية والمذهبية العبثية، لتحويلها من رافعة للعمل الوطني إلى طرف في نزاع يخدم القوى التي تسعى لتغيير وجه المنطقة.
ما يزال لبنان، والمنطقة العربية بأسرها، يعيش التداعيات الكارثية لذلك الانفجار. فمنذ ذلك اليوم، بدأت تتوالى فصول «مؤامرة العصر». إن الصراعات التدميرية التي نراها ليست إلّا الثمار المرة لتلك البذور التي زرعها القتلة يوم اغتالوا المفتي الشهيد؛ بهدف إنهاء مفهوم «الدولة المركزية» لصالح دويلات متنافرة تبرر وجود الكيان الغاصب. لقد أرادوا بإغتياله أن يغتالوا «الأمل» بإمكانية قيام دولة مستقلة، وأن يثبتوا أن لغة الرصاص أقوى من لغة العقل. ولكن، ورغم مرور العقود، يبقى نهج المفتي حسن خالد هو الخريطة الوحيدة القادرة على إنقاذ ما تبقى من الوطن، وصيانة هويته من الضياع في دهاليز المصالح الدولية.
إن الوفاء لذكرى المفتي الشهيد حسن خالد لا يكون فقط بالبكاء على أطلال الماضي، بل بالتمسك بالقيم التي استشهد من أجلها: لبنان السيادة، لبنان العيش المشترك، ولبنان العروبة الحضارية. إن استعادة لبنان لكرامته وقوة مؤسساته هو الرد الحقيقي الوحيد على الجناة.
ذكرى المفتي خالد: حين انكسر الاعتدال

كتب زياد سامي عيتاني في” اللواء”:في السادس عشر من أيار عام 1989، لم يكن دوي الانفجار الذي استهدف موكب المفتي الشهيد حسن خالد مجرد جريمة اغتيال سياسي عابرة في سجل الحرب اللبنانية المثقل بالدماء؛ بل كان زلزالاً جيو-سياسياً استهدف تقويض الركائز التي قام عليها لبنان «الوطن والرسالة». إن استهداف سماحته في ذلك التوقيت الحرج كان إعلاناً دموياً عن بدء مرحلة «تصفية» القامات الوطنية التي شكّلت صمام أمان ضد التفتيت والتبعية، ومقدمة لاغتيال لبنان الكيان والوجود.بإغتياله، أراد القتلة تغييب «مفتي الشراكة» الذي آمن بأن قوة لبنان في تنوّعه لا في تصادمه. كان الشهيد يدرك أن لبنان يسقط حين تسقط قدرة أبنائه على الحوار، لذا كان جسر عبور دائماً بين الضفتين، يجمع بين بكركي ودار الفتوى، صائحاً في وجه أمراء الحرب: «إن لبنان أكبر من أن يُبتلع، وأصغر من أن يُقسّم». هذا النهج الوحدوي كان يشكّل الخطر الأكبر على مشاريع «الدويلات» التي كانت تُطبخ في غرف الاستخبارات السوداء، ولعلّ مشهد بكركي وهي تفتح أبوابها لتقبّل التعازي باستشهاده كان الدليل الأقوى على أنه كان بحق «مفتي كل الجمهورية».
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0







اترك ردك