رئيس الجمهورية… لا عودة إلى الوراء

إن الكلام الذي قاله رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في الجلسة الحكومية يوم 2 آذار، وما كرّره أمام سفراء اللجنة الخماسية، من أن لا عودة إلى الوراء، وإن ما تمّ اتخاذه من قرارات سينفّذ لجهة حظر العمل العسكري والأمني على “حزب الله”، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة، شاء من شاء، وأبى من أبى، هذا الكلام، وفق معرفة بعض الأوساط القريبة من بعبدا، جاء بعد أكثر من محاولة قام بها رئيس الجمهورية، الذي ترك باب الحوار مع “حارة حريك” مفتوحًا لعل وعسى، وهو سمع انتقادات كثيرة من أكثر من طرف سياسي بأن القطار الرئاسي لا يسير بالسرعة المطلوبة، آخذين عليه بأن ما ورد في خطاب القسم، وفي البيان الوزاري، وفي القرارات الحكومية في 5 و7 آب لم يطبّق كما تقتضيه الظروف. إلاّ أن حسابات حقل هذه القوى لا تنطبق دائمًا على حسابات البيدر الرئاسي. والدليل أن ما يتخذه الرئيس عون من مواقف سيادية لم يسبق أن اتخذها أي رئيس للجمهورية قبله.

هذا التمايز في الأداء لا يمكن فصله عن إدراك رئيس الجمهورية أن لحظة التردّد انتهت، وأن اختبار الدولة بات وجوديًا لا سياسيًا فحسب. فالمسألة لم تعد سجالًا داخليًا بين فريقين، ولا توازنًا هشًا بين محورين، بل صارت مسألة قرار يُتخصر بسؤال محوري: هل هناك دولة واحدة تحتكر قرار السلم والحرب، أم دويلات متجاورة تتقاسم الجغرافيا والسيادة؟

من هنا، فإن ما قيل في جلسة 2 آذار، وما أُبلغ إلى سفراء اللجنة الخماسية، لم يكن للاستهلاك الإعلامي، ولا رسالة ظرفية لتحسين شروط التفاوض، بل كان بمثابة تثبيت لمعادلة جديدة، وهي أن لا سلاح خارج الشرعية، ولا وظيفة عسكرية لأي تنظيم خارج إطار الدولة. وهذا ما يفسّر لهجة الحسم التي اعتمدها الرئيس، والتي بدت للبعض متأخرة، لكنها في الواقع جاءت بعد استنفاد كل محاولات الاحتواء والحوار.

لقد راهن رئيس الجمهورية، منذ انتخابه، على إعطاء فرصة واقعية لمعالجة هذا الملف بالحوار، انطلاقًا من قناعته بأن أي مقاربة صدامية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام. لكن التجربة أظهرت أن الحوار، حين لا يقترن بإرادة واضحة للانتقال إلى منطق الدولة، يتحول إلى شراء وقت، لا أكثر. وهنا تحديدًا اتخذ القرار بالانتقال من سياسة “الاحتواء” إلى سياسة القرار فالتنفيذ.

قد يسأل سائل: هل تملك الدولة الأدوات الكافية لفرض هذا القرار؟ الجواب ليس بسيطًا. فالتحدي ليس أمنيًا فحسب، بل سياسي ومالي واقتصادي. غير أن الثابت أن الغطاء الدولي، الذي كان دائمًا ملتبسًا في هذا الملف، بات اليوم أكثر وضوحًا في دعمه لمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. وهذا ما يفسّر الاهتمام المتزايد من قِبل العواصم المؤثرة بمسار تنفيذ القرارات الحكومية، وربط أي دعم مالي أو استثماري فعلي بإثبات جدية الدولة في بسط سلطتها على كامل أراضيها.

أما في الداخل، فإن المشهد لن يكون سهلًا. فـ “حزب الله” لا ينظر إلى سلاحه بوصفه مسألة قابلة للنقاش، بل باعتباره عنصرًا تأسيسيًا في دوره الإقليمي. ومن هنا، فإن أي مقاربة لملف السلاح تعني حكماً إعادة تعريف هذا الدور. وهذا ما يفسّر التوتر الظاهر الذي يطبع العلاقة بين بعبدا و”حارة حريك”.

لكن الأهم أن الرئاسة، كما يبدو، حسمت خيارها، إذ لم يعد هناك أي ازدواجية بعد اليوم في القرار الأمني والعسكري. وإذا كان البعض يعتبر أن هذا الخيار ينطوي على مجازفة، فإن المجازفة الأكبر كانت في الاستمرار في إدارة الظهر للواقع، وفي ترك لبنان ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

قد لا يكون الطريق معبّدًا، وقد لا تُترجم المواقف سريعًا إلى وقائع ميدانية، لكن ما تغيّر هو السقف السياسي. فحين يعلن رئيس الجمهورية، بهذه الصراحة، أن الدفاع عن أي دولة يجب أن يتم من أرضها لا من لبنان، فهو يضع حدًا نهائيًا لنظرية “وحدة الساحات” التي دفعت البلاد أثمانًا باهظة نتيجة الانخراط فيها.

في المحصلة، المسألة لم تعد مسألة سرعة القطار الرئاسي، بل اتجاهه. والاتجاه واضح، وهو نحو تثبيت منطق الدولة، ولو تدريجيًا، ولو بكلفة سياسية مرتفعة. ويبقى السؤال: هل ستواكب القوى السياسية هذا التحوّل، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة شدّ حبال طويلة بين من يريد تثبيت الدولة، ومن يفضّل إبقاءها في منطقة رمادية بين الشرعية والواقع المفروض؟