رسالة تركية إلى إسرائيل.. القصّة مُرتبطة بسوريا وغزة!

نشر موقع “المونيتور” الأميركي تقريراً جديداً تناول فيه مستقبل العلاقات بين تركيا وإسرائيل في ظلّ الغموض المحيط بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، مشيراً إلى أن أنقرة ترى إمكانية لتحقيق تحسّن محدود في العلاقات، حتى في حال بقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في السلطة، شرط تخفيف الأزمة الإنسانية في قطاع غزة والضغوط العسكرية الإسرائيلية على سوريا.

التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقول إنَّ النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية أظهرت حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، في مقابل 48 مقعداً للمعارضة بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، و19 مقعداً للأحزاب العربية، ما فتح الباب أمام مفاوضات معقّدة لتشكيل ائتلاف حكومي، وسط احتمال إجراء انتخابات جديدة.

ورغم أن أنقرة تفضّل تشكيل حكومة إسرائيلية من دون نتنياهو، الذي وجّه إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتقادات متكرّرة بسبب الحرب في غزة، فإنها تسعى إلى اعتماد مقاربة براغماتية في علاقاتها مع إسرائيل، حتى لو بقي التطبيع الكامل بعيد المنال.

غزة.. الشرط الأول لتحسين العلاقات

وبحسب التقرير، يرتبط أي تحسّن محتمل في العلاقات التركية الإسرائيلية بإحراز تقدّم في تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، خصوصاً لجهة ضمان وصول المساعدات الإنسانية وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.

وقال مسؤول تركي معني بالأمن القومي لـ”المونيتور”، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، إن هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة لا تزال غير محسومة، لكن مطالب أنقرة واضحة، موضحاً أن استئناف المساعدات الإنسانية وإنهاء مشاهد معاناة الأطفال والجوع في غزة قد يؤديان إلى تحسّن نسبي في العلاقات.

وتكتسب القضية الفلسطينية أهمية كبيرة لدى الرأي العام التركي، ما يجعل أي تقارب مع إسرائيل مكلفاً سياسياً بالنسبة إلى حكومة أردوغان، ما لم يطرأ تحسّن ملموس على الأوضاع في القطاع.

وكان البلدان سحبا سفيريهما عقب اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023، من دون قطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً، إذ أبقت تركيا سفارتها في تل أبيب مفتوحة.

وفي أيار 2024، علّقت أنقرة التجارة المباشرة مع إسرائيل، كما منعت مشاركتها في اجتماعات وتدريبات حلف شمال الأطلسي، وحظرت استخدام الطائرات الحكومية الإسرائيلية مجالها الجوي منذ عام 2024.

وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في كانون الثاني الماضي، أن بلاده لن تستأنف التجارة مع إسرائيل ما لم يُسمح بتدفّق المساعدات إلى سكان غزة بصورة كافية ومتواصلة.

وتشارك تركيا، إلى جانب قطر ومصر، في جهود الوساطة لتنفيذ خطة ترامب التي أفضت إلى وقف لإطلاق النار في تشرين الأول 2025. إلا أن تنفيذ الخطة لا يزال متعثّراً، مع ربط إسرائيل انسحابها بنزع سلاح حركة “حماس” بالكامل، وعدم بدء عمليات إعادة الإعمار.

وتضغط الدول الوسيطة للانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة، التي تتضمن نزع سلاح “حماس” وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً، على أن يعقب ذلك نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار وتدريب الشرطة الفلسطينية، تمهيداً لنقل إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية.

ونقل التقرير عن المسؤول التركي قوله إن العلاقات مع إسرائيل قد تشهد تحسّناً إضافياً في حال انسحاب الجنود الإسرائيليين من غزة.

سوريا.. ساحة الخلاف الاستراتيجي

إلى جانب غزة، تشكّل سوريا محوراً أساسياً في الحسابات التركية تجاه الحكومة الإسرائيلية المقبلة، إذ تعتبر أنقرة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية تقوّض مصالحها الاستراتيجية.

وتسعى تركيا إلى تعزيز سلطة حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع وتثبيت نفوذها في دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلى جانب تحقيق الاستقرار بما يشجّع على عودة قسم من اللاجئين السوريين الموجودين على أراضيها.

ووفق الأرقام الرسمية الصادرة في حزيران الماضي، تستضيف تركيا نحو 2.2 مليون سوري يتمتعون بالحماية المؤقتة، فيما لا يزال وجودهم يشكّل تحدياً سياسياً لحكومة أردوغان، في ظلّ تصاعد المشاعر المناهضة للاجئين واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أيار 2028، مع احتمال إجرائها مبكراً.

وترى أنقرة أن التحركات العسكرية الإسرائيلية تعرقل هذه الأهداف، خصوصاً بعدما وسّعت إسرائيل انتشارها العسكري عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، انطلاقاً من الجولان السوري الذي ضمّته، باتجاه المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة ومواقع أخرى خارجها.

كذلك، نفّذت إسرائيل مئات الغارات على قواعد جوية سورية ومستودعات أسلحة ومنظومات دفاع جوي.

وبحسب التقرير، تعارض إسرائيل إقامة قواعد أو انتشار قوات تركية في جنوب سوريا، كما ترفض نشر منظومات دفاع جوي متطورة في الأراضي السورية يمكن أن تحدّ من حرية عملياتها الجوية.

وبرز هذا الخلاف مجدداً في آب الماضي، عندما استهدفت القوات الإسرائيلية قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا، على مسافة نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية.

ونقل “المونيتور” حينها عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن تركيا كانت تخطط لنشر أنظمة رادار في القاعدة، وهو ما نفته كل من أنقرة ودمشق.

بدورها، قال الباحث في السياسة الخارجية لدى مؤسسة “سيتا” البحثية في أنقرة، كوتلوهان غوروجو، إن أي تحسّن حقيقي في العلاقات التركية الإسرائيلية ينبغي أن يبدأ من سوريا.

لكن التقرير أشار إلى أن تحقيق هذا الهدف قد يكون صعباً، في ظلّ مخاوف إسرائيلية من استخدام تركيا نفوذها في دمشق لتقييد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية، أو تعزيز قدرات حكومة سورية قد تتخذ موقفاً معادياً لإسرائيل على حدودها الشمالية.

ورجّح غوروجو ألا تتراجع إسرائيل عن موقفها تجاه دمشق، بصرف النظر عن هوية الحكومة المقبلة، خصوصاً في ظلّ وجود نفوذ تركي قوي داخل سوريا.

الانتخابات الإسرائيلية.. هل تفتح باب التقارب؟

في المقابل، يرى التقرير أن الانقسام السياسي الإسرائيلي وتعقيدات تشكيل الحكومة يجعلان أي تحسّن سريع في العلاقات مع تركيا أمراً مستبعداً.

وقالت الباحثة المتخصصة في الشؤون التركية لدى معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، غاليا ليندنشتراوس، إن عملية تشكيل الحكومة قد تستغرق وقتاً، ما سيصعّب على إسرائيل تغيير سياساتها تجاه القضايا الملحّة في المدى القريب.

ومع ذلك، قد يتيح وصول حكومة يقودها خصوم نتنياهو فرصة لتحسّن محدود في العلاقات، تبعاً لاستعدادها لتقديم تنازلات سياسية بشأن غزة.

وفي هذا السياق، قال سليم سيزر، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة صباح الدين زعيم في إسطنبول، إن نجاح آيزنكوت في تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية قد يفرض عليه تقديم تسويات سياسية لضمان تأييدها، الأمر الذي يمكن أن ينعكس تحسّناً جزئياً في العلاقات التركية الإسرائيلية.

وبذلك، يربط التقرير فرص التقارب بين أنقرة وتل أبيب بمسارين أساسيين: إحراز تقدّم ملموس في غزة، وتخفيف المواجهة العسكرية الإسرائيلية في سوريا، مع بقاء قدرة الحكومة الإسرائيلية المقبلة على تغيير هذه السياسات عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل العلاقات بين البلدين.