في هذا السياق، يقوم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بسلسلة اتصالات بين واشنطن وبيروت لبحث سبل وقف الحرب. وتشير المعلومات إلى أنه زار رئيس الجمهورية جوزاف عون ناقلًا موقفا أميركيا سلبيا ورافضاً للمبادرة اللبنانية المطروحة لوقف التصعيد. وبحسب المعطيات، فإن الرد الأميركي جاء انطلاقا من قناعة داخل الإدارة الأميركية بعدم وجود ثقة كافية بأن الحكومة اللبنانية أو الجيش قادران على نزع سلاح حزب الله أو ضبطه بشكل كامل وانهما أهدرا الكثير من الوقت.
وكان الرئيس عون طرح مبادرة تهدف إلى وقف التصعيد الإسرائيلي المتجدد ضد لبنان، تقوم على أربع نقاط أساسية:أولًا، إرساء هدنة شاملة تتضمن وقفًا كاملًا لكل الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية.ثانيًا، تقديم دعم لوجستي سريع للقوات المسلحة اللبنانية لتعزيز قدرتها على الانتشار.ثالثًا، قيام الجيش فورًا بالسيطرة على مناطق التوتر الأخيرة ومصادرة الأسلحة الموجودة فيها، بما يشمل مخازن ومستودعات حزب الله وفق المعلومات المتوافرة.رابعا، البدء بشكل متزامن بمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية للتوصل إلى تنفيذ هذه الترتيبات.وبالتوازي مع التحرك الأميركي، طلبت فرنسا عقد اجتماع طارئ لـ مجلس الأمن الدولي في نيويورك لبحث التصعيد العسكري في لبنان ومحاولة احتواء التدهور الأمني المتسارع.
وفي السياق، تظهر تباينات واضحة بين بيروت وواشنطن بشأن شكل المفاوضات المحتملة بعد توقف الحرب. فلبنان يميل إلى طرح صيغة مفاوضات ثنائية مع إسرائيل برعاية دولية، في حين تطرح الولايات المتحدة فكرة مفاوضات ثلاثية تضم لبنان وإسرائيل وسوريا، في ظل صعود دور السلطة الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، وبينما ترى الأوساط المطلعة على الاجواء الاميركية أن إدخال الشرع في هذا المسار يشكل أداة ضغط سياسية، والتلويح بإمكانية تحريك الحدود الشرقية للبنان أو إدخال الملف السوري في المعادلة يهدف أساسا إلى زيادة الضغط على حزب الله داخل الساحة اللبنانية، ترى أوساط سياسية أن التوتر على الحدود الشرقية يثير قلقا متزايدا، في ظل معلومات تتحدث عن وجود تنسيق غير معلن بين واشنطن ودمشق بشأن كيفية التعامل مع التطورات في هذه المنطقة الحساسة. ويأتي هذا القلق على خلفية عمليات الإنزال التي شهدتها الحدود الأسبوع الماضي، بالإضافة إلى الحشود العسكرية المتزايدة، ما يثير مخاوف من تصعيد محتمل عند هذه الحدود، رغم التطمينات التي أعطاها الرئيس الشرع للرئيس عون.
وفيما تشير المعطيات إلى أن المجتمع الدولي بات يضع نزع سلاح حزب الله الكامل في صلب أي تسوية مستقبلية، تعكس القراءة الاميركية للتطورات مقاربة مختلفة عمّا يشاع حول إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، إذ ترى مصادر دبلوماسية أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغييرات جغرافية أو تقسيمات جديدة، بل إلى تثبيت الحدود القائمة ومنع سيناريوهات التفكك في المنطقة. ويظهر هذا التوجه بوضوح في المقاربة الأميركية للملف السوري، حيث عملت واشنطن على قطع الطريق أمام أي مشاريع تقسيم، سواء في الجنوب السوري أو في ما يتعلق بمناطق الأكراد.
وليس بعيداً تفيد المقاربة الأميركية بأن الأفكار المطروحة لا تتجه نحو إنشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني، بل نحو إقامة منطقة استقرار ذات طابع اقتصادي، تسمح بإعادة تنشيط الحياة الاقتصادية في الجنوب تحت مظلة تهدئة طويلة الأمد. وبحسب هذه المقاربة، فإن أي تمدد إسرائيلي محتمل داخل الأراضي اللبنانية سيبقى مؤقتًا وينتهي مع انتهاء العمليات العسكرية.
وسط ما تقدم، تشير تقديرات غربية إلى أن المواجهة التي بدأت قبل نحو تسعة أيام لن تكون طويلة الأمد، إذ يرجح أن تستمر لأسابيع محدودة، مع توقعات بأن تنتهي في الأسبوع الأول من شهر نيسان كحد أقصى. وترتبط هذه الحرب، وفق هذه القراءة، بالسياق الأوسع للمواجهة مع إيران، لكنها لن تتوقف قبل إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية والمالية التابعة لحزب الله. ولهذا السبب، تتواصل الضربات الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، مستهدفة مقارّ يُعتقد أنها كانت تخصص لاجتماعات القيادات العسكرية، إضافة إلى مستودعات أسلحة ومراكز مرتبطة بالبنية اللوجستية والمالية للحزب. والهدف المعلن في هذه المرحلة يتمثل في ضرب القدرات العسكرية للحزب وإضعاف شبكاته التنظيمية قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي أو تفاوضي.
وبين التصعيد العسكري والضغوط السياسية، يبدو أن لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع أهداف الحرب مع ترتيبات سياسية وأمنية قد تحدد شكل الاستقرار في الجنوب لسنوات مقبلة.











اترك ردك