رفع عروض تسوية بوالص الإدّخار مقابل تصفيتها.. المصارف تستبق التدقيق؟

تتجدّد اتصالات المصارف وشركات التأمين بأصحاب بوالص برامج الإدّخار والتأمين العالقة منذ اندلاع الأزمة الماليّة عام 2019، عارضةً عليهم تسويات تتيح لهم استرداد جزء من قيمة البوالص بالدولار مقابل تصفيتها، أو استبدالها ببوالص جديدة بالدولار الفريش. فبعدما بدأت العروض باحتساب المستحقّات على أساس سعر صرف 3900 ليرة للدولار في بداية الأزمة، ارتفعت تدريجيًّا لتصل اليوم إلى نحو 40% من قيمة البوليصة، فيما تجاوزت 60% لدى بعض المصارف. أمّا التطوّر الأبرز هذه المرّة، فيتمثّل في عرض بعض المصارف تقسيط المبالغ المستحقّة عبر تعميمَي السحوبات 158 و166، شرط ألّا يكون العميل مستفيدًا حاليًّا من أيّ منهما.

وبينما يجد بعض المشتركين في هذه العروض فرصة للحصول على سيولة هم في أمسّ الحاجة إليها، يضطرّ آخرون إلى التنازل عن جزء كبير من حقوقهم. وهذا ما يختصره لـ “لبنان 24” موظّف في القطاع العام اشترك في بوليصتَي إدّخار بقيمة 25 دولارًا لكلّ منهما، قبل أن يضطرّ إلى قبول التسوية لتأمين أقساط ابنه الجامعية، رغم أنّ تغطية هذه النفقات كانت من الأهداف الأساسية لاشتراكه. ومع أنّ محاولات التصفية تكرّرت منذ بداية الأزمة بشروط مجحفة، فإنّ ارتفاع نسب العروض وظهور خيار التقسيط عبر تعميمَي السحوبات يطرحان تساؤلات حول أسباب تجدّد هذه الاتصالات وتحسين شروطها مقارنة بالسابق، وما إذا كان التريّث قد يتيح للمشتركين الحصول على تسويات أكثر إنصافًا.
بين الدولار الفعلي واللولار: فجوة في احتساب المستحقّات
يرى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور بلال علامة، في حديث لـ “لبنان 24″، أنّ الإشكالية الأساسية تكمن في الفارق بين الأقساط التي دفعها المشتركون بالدولار الفعلي، والتسويات التي تُعرض عليهم اليوم على أساس الدولار المصرفي (اللولار)، ما يثير تساؤلات حول كيفية إدارة هذه البوالص ومدى الالتزام بشروطها، ولا سيّما في ما يتعلّق بإعادة التأمين لدى الشركات الخارجية، واصفًا ما يجري بـ “تلبيس طرابيش”.

التدقيق الجنائي وإعادة هيكلة المصارف: هل تسابق التسويات الاستحقاقات؟
يربط علامة تحرّك المصارف في هذه المرحلة، من بين عوامل أخرى، بالتدقيق الجنائي الذي يطلب مصرف لبنان إجراءه في الحسابات، وبالاستحقاقات المرتبطة بإعادة تقييم أوضاع المصارف وموجوداتها والتزاماتها. ويشير إلى تكليف المركزي شركة الاستشارات ألفاريز آند مارسال (Alvarez & Marsal)بإجراء مهمّة تدقيق ومراجعة جديدة للمعاملات المصرفيّة. ولا يستبعد علامة احتمال أن تكون العروض الحاليّة محاولةً لإقفال البوالص وتسوية الالتزامات المتّصلة بها، قبل اتّضاح نتائج هذه المسارات الرقابيّة، معتبرًا أنّ المصارف قد تسعى إلى إنهاء هذه الملفات من دون تحمّل أعباء ماليّة إضافيّة كبيرة. ويأتي ذلك، بحسب علامة، في سياق أوسع يتّصل بالقانون الخاص بإعادة تنظيم أوضاع المصارف، وما يفرضه من تقييم لموجوداتها والتزاماتها والأموال المتاحة لديها وتلك التي حُوّلت إلى الخارج، وصولًا إلى تحديد قدرتها على الاستمرار أو الحاجة إلى إعادة هيكلتها أو دمجها أو تصفيتها. وفي هذا الإطار، تصبح العقود القائمة مع العملاء جزءًا من الالتزامات التي يتعيّن أخذها في الاعتبار، ما قد يشكّل حافزًا إضافيًّا للمصارف لتسويتها. من هنا، يلفت علامة أنّ اندفاع المصارف لتسوية هذه البرامج يهدف إلى إنهاء البوالص بأقلّ كلفة ممكنة، من دون ضخّ أموال إضافيّة من الرساميل أو اللجوء إلى الأموال التي سبق أن جنتها الشركات، والتي يُحتمل أن يكون جزء منها قد حُوّل إلى الخارج. وفي حين أنّ اعتماد سعر دولار السوق ليس خيارًا مرجّحًا لدى المصارف، فإنّ احتساب المستحقّات على أساس ما يُعرف باللولار، لن يكون مقبولًا من الزبائن، ما يجعل التسويات المطروحة محاولةً لتسوية هذا الملف بأعباء ماليّة أقلّ.
اجتهادات قانونية قد تُخضع البوالص للتعاميم المصرفيّة
يشير علامة إلى وجود اجتهادات قانونية اعتبرت أنّ الأرصدة المتراكمة في بوالص الإدّخار والتقاعد تُعدّ ودائع مصرفية. وفي حال اتُّخذ أيّ قرار باعتبار هذه البوالص ودائع، فقد يفتح ذلك الباب أمام إخضاعها للتعاميم المصرفية ذات الصلة، ولا سيّما التعميمين 158 و166، ما قد يفرض على المصارف تسديد المستحقّات بالدولار النقدي بدلًا من اللولار. من هنا، يبدو أنّ تسوية هذه البوالص تشكّل، بحسب علامة، الخيار الأفضل للمصارف، بما يتيح لها إقفال هذا الملف وتجنّب التداعيات القانونية والمالية المحتملة.
تسويات تثير إشكاليات قانونيّة وأخلاقيّة
من جهته، يرى المحامي رفيق غريزي، عضو رابطة المودعين، أنّ شركات التأمين تتعامل مع ملف البوالص العالقة بمنطق يشبه إلى حدّ بعيد النهج الذي اعتمدته المصارف في معالجة أزمة الودائع، من خلال السعي إلى إقفال العقود القديمة عبر تسويات ماليّة، والفصل بين البوالص القديمة والجديدة. ويشير غريزي في اتصال مع “لبنان 24” إلى أنّ بوالص التأمين لا يمكن إخضاعها تلقائيًّا للأحكام نفسها التي تنطبق على الودائع المصرفيّة، نظرًا إلى اختلاف طبيعتها القانونيّة وارتباطها بعقود التأمين وإعادة التأمين، وما يترتّب عليها من ضمانات والتزامات. ويعتبر أنّ الإجراءات التي تعتمدها الشركات في هذا السياق تفتقر إلى المشروعية، فضلًا عن إثارتها إشكاليات أخلاقيّة، مشددًا على عدم قانونيّة معالجة العقود القائمة أو الانتقاص من الحقوق الناشئة عنها من خلال الفصل بين فئات المشتركين، أو فرض شروط تسوية لا تنسجم مع الالتزامات التعاقديّة والقواعد القانونيّة المرعيّة الإجراء.
في المحصّلة، يجد أصحاب بوالص الإدّخار والتأمين أنفسهم أمام معادلة صعبة، إمّا القبول بتسوية تتيح لهم استرداد جزء من أموالهم، أو التريّث على أمل الحصول على شروط أكثر إنصافًا، من دون ضمانات بأنّ الانتظار سيؤدي إلى نتيجة أفضل. وبينما يوفّر تقسيط المبالغ عبر تعميمَي السحوبات خيارًا إضافيًّا لبعض المشتركين، تبقى جدوى هذه التسويات مرتبطة بقيمتها الفعليّة والشروط المفروضة للاستفادة منها.غير أنّ معالجة هذا الملف لا يمكن أن تبقى رهينة المفاوضات الفرديّة بين المصارف والمشتركين، بل تستدعي وضوحًا في تحديد الحقوق والالتزامات، وشفافيةً في الأسس القانونية والمالية التي تُحتسب على أساسها عروض التصفية، إلى جانب رقابة تضمن صون الحقوق التعاقديّة لأصحاب البوالص. فالمعيار لا يكمن في ارتفاع نسب التسويات مقارنةً بالعروض السابقة، ولا في تعدّد خيارات الدفع، بل في مدى إنصافها والقيمة التي يستردّها المشترك قياسًا إلى حقوقه التعاقدية، بما يضمن ألّا يتحوّل الحصول على جزء من الأموال إلى تنازل غير متكافئ عن حقوق يصعب استعادتها لاحقًا.