تحمل الخطوة التي رحّب بها عون بوصفها مؤشرًا إلى الثقة بإجراءات الدولة لضمان سلامة الطيران المدني، قيمة تتجاوز تسهيل السفر. فهي تزيل أساسًا قانونيًا لقيود استمرت عقودًا، وتمنح العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة نتيجة ملموسة في ملف محدد. لكن رفع هذه القيود لا يعني استئناف الرحلات تلقائيًا، كما لا يعني أن سائر العوائق أمام حركة السفر والاستثمار قد زالت.
وهنا تكمن أهمية قراءة القرار في موقعه الفعلي: انتهت مرحلة انتظار إلغاء القيود الرئاسية، لتبدأ مرحلة تحويل الإلغاء إلى خدمة قابلة للتشغيل. وبين المرحلتين، يقف لبنان أمام فرصة سياسية واقتصادية، تتحدد قيمتها بما يمكن إنجازه بعدها. فما الذي ربحه بالفعل من هذه الخطوة، وما الذي يبقى مطلوبًا قبل أن تصبح الرحلة المباشرة بين بيروت والولايات المتحدة واقعًا؟
مكسب محدد في العلاقة مع واشنطن
تكشف لغة المذكرة الأميركية نطاق القرار وحدود دلالته السياسية. فالقيود التي ارتبطت بظروف أمنية قديمة لم تعد، وفق التقدير الرئاسي الأميركي، ضرورية للغرض الذي فُرضت من أجله. لكن هذا التقدير يتعلق بتلك القيود تحديدًا، ولا يشكل شهادة شاملة بزوال المخاطر الأمنية في لبنان. لذلك، فإن أهميته السياسية تأتي من تغيير التعامل مع ملف محدد، ومن انتقال التعهد بشأنه إلى إجراء رسمي ملزم.
ومن الجانب اللبناني، يتيح هذا الانتقال للرئاسة تقديم نتيجة لمسار بدأ بطلب رفع القيود خلال لقاء تموز. ففي علاقة تتداخل فيها المساعدات والضغوط والملفات الأمنية، يكتسب إنجاز يمكن قياسه قيمة خاصة، لأنه يبيّن إمكان الوصول إلى إجراءات عملية عبر التواصل الدبلوماسي. ومع ذلك، لا تسمح الوقائع المتاحة باعتبار قرار الطيران مقابلًا سياسيًا في مسار اتفاق الإطار الذي ترعاه واشنطن، أو دليلًا على تبدّل شامل في موقفها من لبنان.
واللافت أن عون نفسه استخدم لغة لا تتجاوز هذا الحد، فأعرب عن أمله في أن يشكل القرار “مدخلًا” لمزيد من التعاون. فكلمة “مدخل” تضع الخطوة في بداية مسار، وتترك أثرها اللاحق مفتوحًا على ما يُنجز في ملفات أخرى. كذلك، قالت السفيرة اللبنانية لدى واشنطن نادا حمادة معوض إن القرار يفتح الباب أمام استئناف الرحلات المباشرة. لكن بين فتح الباب والعبور منه، يبقى عمل مؤسساتي وتشغيلي يحدد ما إذا كان المكسب الدبلوماسي سيُترجم إلى منفعة محسوسة للمسافرين والاقتصاد.
من سيحوّل الإلغاء إلى رحلات؟
بعد إلغاء القيود، ينتقل الملف إلى سؤال عملي: من سيشغّل الرحلات المباشرة، ومتى يصبح تشغيلها ممكنًا؟ فبحسب ما نقلته تقارير صحافية عن مصادر في شركة طيران الشرق الأوسط والطيران المدني اللبناني، يحتاج البلدان إلى التفاوض على اتفاقية نقل جوي جديدة، بدل الاتفاقية العائدة إلى عام 1972، واستكمال الموافقات الأميركية والتدقيق المسبق في سلامة الطيران وأمن المطار. وتحدث مصدر في الشركة عن احتمال استئناف الرحلات في نهاية 2027 أو خلال 2028. وهو تقدير يتقاطع مع جدول تسلّم الشركة طائرات جديدة بعيدة المدى حتى منتصف 2027، لكنه لا يشكّل موعدًا رسميًا لبدء التشغيل.
وتبدو “الميدل إيست”، في ضوء التحضيرات المنقولة عنها، المرشح الأقرب لبدء التشغيل، من دون أن يكون ذلك محسومًا. أما دخول شركات أميركية، فيخضع لحسابات أوسع تتعلق بالطلب والجدوى والمخاطر. فلبنان لا يزال ضمن المستوى الرابع، أي “عدم السفر”، في التحذير الأميركي الصادر في 21 آب الماضي. واستمرار هذا التحذير عامل يمكن أن يؤثر في قرارات السفر والتشغيل والتأمين، حتى بعد إلغاء القيود الرئاسية. كما أن المخاطر الإقليمية الراهنة تبقي انتظام حركة الطيران جزءًا من الحسابات التجارية، لا مسألة تُحسم بالترخيص وحده.
من هنا، يُرجّح أن يكون المستفيد الأول من الخط المباشر، عند تشغيله، الناقل الوطني والجالية اللبنانية، قبل الرهان على تدفق سياحي أميركي واسع. فالرحلة المباشرة تمنح المسافرين خيارًا يقلل التوقفات والتعقيدات، وتتيح للشركة خدمة حركة تتوزع حاليًا عبر مطارات وسيطة. ويمكن أن تسهّل الزيارات العائلية ورحلات الأعمال، فيما تبقى الأسعار وجذب استثمارات جديدة مرتبطين بالمنافسة والظروف الاقتصادية والأمنية. ولذلك، فإن حجم المنفعة سيتوقف على عدد الرحلات وأسعارها وانتظامها، وعلى قدرة لبنان على توفير الظروف التي تدفع القادم إليه إلى تكرار الزيارة أو توسيع نشاطه.
لا شكّ أنّ رفع القيود مكسب قائم بذاته للبنان، لأنه أزال عائقًا قديمًا وأثبت إمكان تحقيق تقدم محدد في العلاقة مع واشنطن. لكنه يضع الدولة والناقل المحتمل أمام مرحلة جديدة، عنوانها تحويل الإلغاء القانوني إلى خدمة منتظمة. المكسب الحالي هو إزالة القيود الرئاسية التي حالت دون التشغيل المباشر؛ أما العائد الاقتصادي، فيبدأ حين تصبح الرحلات متاحة، ويترسخ عندما تستمر.
رفع قيود الطيران مع أميركا.. ماذا يربح لبنان قبل عودة الرحلات؟

انتقل ملف الرحلات المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة من الإعلان السياسي إلى الإلغاء القانوني للقيود، من دون أن يبلغ بعد مرحلة التشغيل. فما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب استقباله الرئيس جوزاف عون في البيت الأبيض في 21 تموز الماضي، بات يستند إلى مذكرة رئاسية وقّعها في 30 أيلول ونُشرت في السجل الفيدرالي في 5 تشرين الأول. وبموجبها، أُلغيت أربعة قرارات رئاسية صدرت في أعوام 1985 و1992 و1998 و2007، بعدما اعتبرت المذكرة أن قيودها لم تعد ضرورية لحماية الطائرات المتجهة إلى لبنان أو المغادرة منه من الاستيلاء غير المشروع.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك