ومهما حاول المحاولون، ونحن منهم، تجميل إطار الواقع تأتي الوقائع الميدانية ومواصلة إسرائيل تنفيذ ما في خططها لتعيد عقارب ساعات المتفائلين خطوات إلى الوراء، وترسم أكثر من علامة استفهام لدى عدد من القوى السياسية، التي لم ترَ في “اتفاق الاطار” ما يوجب هذه الاندفاعة الرئاسية، من دون أن يعني ذلك أن ما قام به رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لوقف الحرب غير المتكافئة، والتي أدّت إلى تدمير ما يقارب نصف الجنوب، لم يكن في موقعه الطبيعي، وهو الذي اعترف بأن هذا الاتفاق ليس “مثالياً”، مطالباً الذين يعارضونه أو يرفضونه الاتيان بأفضل منه لإنقاذ ما يجب إنقاذه قبل “خراب البصرة”.
وتكشف مصادر واسعة الاطلاع أن لبنان أبلغ الإدارة الأميركية، خلال الاتصالات الأخيرة، اعتراضه الشديد على طريقة تعاطي إسرائيل مع الاتفاق، معتبراً أن المماطلة في تنفيذ الخطوات الأولى لا تشكل مجرد تأخير تقني، بل تضرب صدقية الاتفاق برمته، وتهدد بتحويله إلى نص سياسي فاقد لفاعليته العملية.
وبحسب المصادر، فقد شدد الجانب اللبناني أمام المسؤولين الأميركيين على أن أي اتفاق لا يقاس بما يتضمنه من بنود مكتوبة، بل بقدرته على إنتاج وقائع جديدة على الأرض. وإذا بقيت إسرائيل ترفض تنفيذ الانسحاب الأولي من المناطق المتفق عليها، فإن ذلك سيطرح علامات استفهام جدية حول نياتها الحقيقية، ومدى التزامها بما وقعت عليه في واشنطن.
وتشير المعلومات إلى أن واشنطن أبدت تفهماً واضحاً للهواجس اللبنانية، ووعدت بمتابعة الأمر مع الجانب الإسرائيلي، إدراكاً منها أن نجاح “اتفاق الإطار” يتوقف إلى حد كبير على تنفيذ الخطوة الأولى، التي ستشكل معياراً لقياس الثقة بين الأطراف، وتمهد للانتقال إلى المراحل اللاحقة.
وعليه، فقد نُقلت جولة المفاوضات المقبلة من واشنطن إلى روما، بناء على طلب إسرائيلي، وهذا ما أبلغه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى للمسؤولين اللبنانيين. وقد وافق لبنان وافق على المشاركة، شرط الحفاظ على الصيغة الثلاثية للمفاوضات، بمشاركة الولايات المتحدة، ورفض أي محاولة لتحويلها إلى مفاوضات ثنائية مباشرة مع إسرائيل، وهو موقف يتمسك به منذ انطلاق هذا المسار.
وسيضم الوفد اللبناني، رئيس الوفد السفير سيمون كرم، وسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة، في إطار استمرار الفريق نفسه الذي تولى إدارة المفاوضات السابقة، بما يؤمن وحدة المقاربة اللبنانية واستمرارية التفاوض.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر رسمية أن الهاجس الأول لدى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يتمثل في الانتقال من مرحلة توقيع الاتفاق إلى مرحلة تنفيذه، معتبراً أن البداية الطبيعية تكمن في الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية، لأن هذه الخطوة وحدها كفيلة بإثبات جدية الالتزام الإسرائيلي، وإعادة بناء الثقة التي بدأت تتآكل منذ الأيام الأولى بعد التوقيع.
وتضيف المصادر أن لبنان لا يطلب إعادة التفاوض على “اتفاق الإطار”، بل يطالب بتنفيذه كما وُقع، لافتاً إلى أن إسرائيل، على رغم توقيعها عليه، لم تقدم حتى الآن أي مؤشر عملي يعكس استعدادها لاحترام التزاماتها، الأمر الذي يجعل الدور الأميركي أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وترى مصادر دبلوماسية أن جولة روما لن تكون جولة تفاوض تقليدية، بل ستكون في جوهرها اختباراً للدور الأميركي. فواشنطن هي التي رعت الاتفاق وقدمت الضمانات السياسية للطرفين، وبالتالي فإن قدرتها على دفع إسرائيل إلى تنفيذ الخطوة الأولى ستكون المعيار الحقيقي لنجاح الوساطة الأميركية.
أما إذا عادت الجولة من المفاوضات في روما من دون اختراق ملموس، فإن الأزمة لن تقتصر على تأجيل الانسحاب من منطقتين تجريبيتين، بل قد تمتد إلى اهتزاز الثقة بالآلية التي قامت عليها “صيغة الإطار” نفسها، وهو ما لا يرغب فيه لبنان، ولا يبدو أن الولايات المتحدة معنية بالسماح بحدوثه، لما لذلك من انعكاسات على مجمل المسار الذي عملت على بنائه خلال الأشهر الماضية.












اترك ردك