وهنا تكمن خطورة الجولة المقبلة، فالمسألة، وفق مصادر سياسية، لم تعد مجرد البحث عن صيغة لوقف إطلاق النار أو ترتيبات أمنية على الحدود، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المفاوضات نفسها على منع الميدان من ابتلاع السياسة. فإذا كانت كل جولة تنتهي إلى تفاهم، ثم تأتي العمليات العسكرية لتعيد رسم الوقائع قبل الجولة التالية، فإن السؤال يصبح: ماذا يبقى من قيمة التفاوض؟
وفي هذا السياق، أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس أن الجيش دمّر البنية التحتية تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، معتبرين أن العملية تستكمل إقامة «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان. ووفق البيان الإسرائيلي، شملت المنشآت مراكز قيادة وأنفاقاً أُنشئت على مدى سنوات، وقُدّمت باعتبارها جزءاً من منظومة كانت معدّة لتنفيذ عمليات باتجاه الجليل وتأمين قدرات للرصد والسيطرة النارية على المطلة وكريات شمونة.
لكن الأهم في الإعلان الإسرائيلي ليس فقط ما قيل عن الأنفاق، بل اشارته الى أن القوات الاسرائيلية ستبقى داخل ما تسميه إسرائيل المنطقة الأمنية، وأن عمليات تدمير البنى التحتية ومنع إعادة التموضع ستستمر. وبذلك، تذهب إسرائيل إلى طاولة روما وهي تحاول تثبيت معادلة جديدة وهي التفاوض على الترتيبات المقبلة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بحرية فرض وقائع ميدانية تراها ضرورية لأمنها.
وهنا تتعمق صعوبة الجولة المقبلة، فالامر لم يعد محصورا بما سيصدر عن روما، أو بالحدود التي يمكن أن يرسمها التفاوض بين الطرفين، بل بات يتصل بالثمن الذي سيدفعه لبنان مقابل أي تفاهم، وبمن يملك القدرة على تنفيذه وضمان استمراره.
وتبدو المقاربة الأميركية أوسع من مجرد وقف إطلاق النار أو تثبيت ترتيبات أمنية على الحدود. فواشنطن تريد، وفق خطابها الحالي، أن تنتقل الدولة في لبنان من موقع إدارة الأزمة إلى موقع المسؤولية الكاملة عن أراضيها وسلاحها وقرارها الأمني.وفي هذا الإطار، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تتابع الاتصالات الواردة من جنوب لبنان، حيث يطالب الأهالي حكومتهم بفرض سيادتها ومنع إطلاق الأسلحة وتخزينها في مناطقهم، داعياً الحكومة إلى إعداد خطة لنزع السلاح من كامل الأراضي اللبنانية وفق الإطار الثلاثي، الذي وصفه بأنه خارطة الطريق نحو السلام.
لكن هذه المقاربة تصطدم بمشكلة أساسية، إذ لا يمكن للدولة، بحسب مصدر ديلوماسي، أن تستعيد احتكارها للقوة بمجرد صدور قرار سياسي، فالجيش يحتاج إلى مساحة آمنة ومغطاة سياسياً لتنفيذ المهمة، كما يحتاج إلى أن يكون انتقال السلطة الأمنية إليه منظماً، لا مقدمة لمواجهة داخلية. ومن هنا، تبدو واشنطن، وهي تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، أمام ضرورة موازية تتمثل في توفير الظروف التي تجعل الدولة قادرة على تنفيذ ما يُطلب منها، فما يُطرح أميركياً لا يمكن أن ينجح إذا بقيت إسرائيل تتصرف على أساس أن الأراضي اللبنانية مجال مفتوح لعملياتها الأمنية.
ووفق مصادر سياسية، لا يمكن مطالبة الدولة ببسط سيادتها على الجنوب، فيما تواصل إسرائيل اعتداءاتها وتحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية. وترى المصادر أن استمرار العمليات الإسرائيلية قد يضعف تحديداً الجهة التي تسعى واشنطن إلى تقويتها، أي الدولة والجيش، ويُضاف إلى ذلك أن ما نفذته إسرائيل أمس يفاقم معضلة السلطة ، ولا سيما أن العملية في عللي الطاهر، شملت سلسلة تفجيرات واسعة النطاق استخدمت خلالها نحو 1100 طن من المواد المتفجرة، ما أحدث هزات ارتدادية متلاحقة، في رسالة ميدانية تتناقض بصورة صارخة مع المسار السياسي والدبلوماسي المفترض أن يقود إلى تثبيت التهدئة في الجنوب، ولذلك على السلطة ، قبل الموافقة على موعد الجولة الجديدة من المفاوضات، أن تعي أن ما يجري لم يعد مجرد اعتداءات يمكن احتواؤها بالبيانات والمواقف، بل مساراً إسرائيلياً قد يتجه إلى فرض وقائع جديدة في عمق الجنوب، من النبطية إلى إقليم التفاح وجبل الريحان.











اترك ردك