انضم إلينا زميل برفقة زوجته المحجبة. عندها، وبصوت عالٍ ومهين، بدأ المخرج يتهكم على الحجاب، وعلى “تخلّف” من ترتديه. صدمتُ. كيف لمن يطالب بحريته، ويغضب إن مُسّ فكره أو ملبسه، أن يصادر حرية غيره في لباسه ومعتقده؟ حتى لو اختلفنا مع الحجاب أو أي ممارسة أخرى، فليس لنا أن نتدخل في شأن لا يؤذي أحدًا.
بقيتُ أقدّر موهبته، لكن شيئًا من احترامي له تراجع.
والحب عندي عاطفة، أما الاحترام فقيمة أبقى.
كنت صغيرة يومها، لكني اندفعت كعادتي للدفاع عن الحرية الشخصية. وقفنا مع زميلنا من حيث المبدأ، لا من حيث الشخص؛ فقد تبيّن لاحقًا أن كل ما كان يعنيه ألا يخسر فرصة العمل مع من أهانَه. ومع ذلك، الموقف عندي لا يتجزأ: نناصر الفكرة ولو اختلفنا مع أصحابها.
قد يكون لي رأي في الحجاب وفي غيره من الإشكاليات الاجتماعية، لكني أحترم كونه جزءًا من ثقافات الشعوب.
تاريخيًا وأنثروبولوجيًا، وُجد غطاء الرأس بأشكال متعددة قبل الأديان، تبعًا للجغرافيا والمناخ والضرورة، ثم اكتسب مع الزمن أبعادًا دينية وثقافية. ولم يأتِ كل دين بزيٍّ خاص، بل تشكّل الزي من حاجة الإنسان، واكتملت معانيه في سياق المعتقد.
مهما بلغت قناعاتي، لا يحق لي فرضها على أحد، ولا التصغير ممن يخالفني. أناقش، أفكر، أشك، أتحاور، أختلف، وأدافع
وأمشي بمبدأ: رأيي خطأ يحتمل الصواب، ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ.
بعد سنوات، تذكّرت تلك الحادثة وأنا أخوض تجربة شخصية أخرى، ولكن في مكان مختلف: إيران.
ذهبت صيفًا لتصوير فيلم أعتز به فنيًا وحياتيًا.
وحملت معي أوشحة مناسبة احترامًا لقوانين البلد وأعرافه،
كما أفعل أينما ذهبت؛ فالاحترام لا ينتقص من الحرية، بل يكمّلها.
في ايران رأيت أطيافًا وأزياء متعددة: الشادور الأسود الكامل، الحجاب التقليدي، ونصف الحجاب الذي يكشف مقدمة الرأس، وأحيانًا نساء بلا حجاب في الشوارع والمطاعم. رأيت مجتمعًا متنوعًا: مسلمين بمذاهبهم، مسيحيين، أرمن، عرب، أكراد، يهود، علمانيين وملحدين.
عرفت فيهم خوفًا على بعضهم رغم الاختلاف، وحبًا للفن والحياة. سياستهم شأنهم، ونظامهم شأنهم،
لكن ما يخصني هو الإنسان فيهم، وحضارتهم، وفنهم، وسينماهم، وأخلاقهم التي لم أرَ منها إلا الجميل”.
“لمن شغلهم حجابي أو نصفه، وتغاضوا عن الفيلم وموضوعه ونجاحه، أقول: لم يفرض عليّ أحد هناك شيئًا، ولن يفرض عليّ أحد شيئاً هنا.
أنا أختار أن أحترم المكان والزمان والناس.
كممثلة، أحب اكتشاف العوالم الأخرى، وارتداء أزيائها بدافع المعرفة والود.
ارتديت من قبل الزي الفلسطيني/الأردني، والمصري، والعُماني، والتونسي، والجزائري، والسوداني، والمغربي، والكردي العراقي، والعباءة الإماراتية والسعودية، والآن الإيراني…وسأبقى أتشرف بكل ثقافة أزورها.
وفي بلدي، ارتديت أزياء دير الزور والرقة والسويداء والساحل ودمشق ودرعا والجولان وحماة. زرت الجامع والكنيسة والكنيس، ودرست في جامعة دمشق حضارة هذا الشرق، وقرأت عن أزيائه.
تربيت على احترام اختلاف الناس، وأدركت أن جمال الكون في تنوّعه لا في تناظره؛ فالتناظر الكامل قد يكون مريحًا، لكنه بلا دهشة…
أما الاختلاف فهو ما يمنح العالم روحه”.












اترك ردك