وافق رئيس الحكومة نواف سلام على تحذير النائب السابق وليد جنبلاط من تكرار تجربة أوسلو، رغم تمسّكه بالمفاوضات مع إسرائيل. ففي مقابلته مساء الأحد، أكّد رفضه الدخول في “التفاوض من أجل التفاوض”، داعيًا إلى التعلّم من تلك التجربة. ويكتسب هذا الموقف دلالته لصدوره عمّن يتمسك بالمسار التفاوضي ويعمل على حشد الدعم له، ما يفتح الباب أمام مساءلة النتائج التي يستطيع تحقيقها، والشروط التي تمنع تحوّله إلى انتظار مفتوح.
لا يعني كلام سلام تراجعًا عن هذا الخيار أو تبنّيًا لموقف معارضيه. فالرجل لا يزال ينطلق من إمكان ترجمة الإطار القائم إلى انسحاب إسرائيلي وبسط سلطة الدولة، لكنه يحدّد نقصًا أساسيًا فيه، يتمثّل في غياب الجدول الزمني. وقد سبق أن طرح هذه المسألة خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، حيث حرص على المطالبة بآلية تحقق موثوقة تتابع تنفيذ الالتزامات.
من هنا، يبدو سلام أمام اختبار يتجاوز تأمين انعقاد جولة تفاوضية جديدة لم يستقرّ موعدها حتى اليوم. فهو مطالب بإقناع الخارج بتحويل المبادئ المعلنة إلى خطوات تنفيذية، وبإقناع الداخل بأنّ الرهان على الدولة والدبلوماسية قادر على إنتاج نتائج. وبين المهمّتين، يصبح السؤال عن كيفية حماية الخيار التفاوضي من المراوحة، خصوصًا حين يستطيع الاحتلال فرض وقائع ميدانية، فيما يحتاج لبنان إلى وقت وجهد إضافيين لتغييرها.
من مبادئ الإطار إلى اختبار التنفيذ
تكمن أهمية الجدول الزمني في أنّه يتيح قياس التقدّم وتحديد مواضع التعطيل. فالموافقة على مبدأ الانسحاب تترك أسئلة مفتوحة إذا لم تقترن بتحديد مراحله ومواعيده وكيفية التحقق منه. وكذلك، فإنّ الحديث عن التبادلية والمرحلية يحتاج إلى توضيح ما يُنتظر من كل طرف في كل مرحلة، حتى لا يصبح تنفيذ خطوة مدخلًا لطرح شروط إضافية تؤجّل الخطوة المقابلة. لكنّ وجود المواعيد وحده لا يضمن احترامها.
لذلك، تكتسب المطالبة بآلية التحقق أهمية موازية، بما يسمح بتوثيق التنفيذ أو الإخلال به، وتحديد المسؤولية عن التعطيل. وهنا يبرز دور الولايات المتحدة بوصفها راعية المسار، خصوصًا على مستوى ما تستطيع فعله عندما تتعارض الالتزامات المعلنة مع السلوك الميداني. فبالنسبة إلى لبنان، سيكون اختبار الرعاية الأميركية في قدرتها على متابعة التنفيذ واستخدام نفوذها لدفعه قدمًا، خصوصًا حين تتعثر الخطوات التي يفترض أن تترتب على التفاوض.
ويتزامن ذلك مع سؤال الترتيبات الدولية المقبلة في الجنوب. فقد عبّر السفير الفرنسي باتريك دوريل عن القلق من الفراغ بعد اليونيفيل، موضحًا أنّ مقترح الاتحاد الأوروبي لدعم الجيش لا يعني نشر قوة بديلة في الجنوب. ويضيف هذا التفصيل استحقاقًا إلى جدول المفاوض اللبناني، لأنّ تعزيز قدرات الجيش والاتفاق على صيغة الحضور الدولي يحتاجان إلى قرارات وتحضيرات عملية. وكل تأخير في حسمهما يزيد صعوبة الانتقال إلى الترتيبات المقبلة.
صدقية الخيار تبدأ من نتائجه
داخليًا، يحمل موقف سلام تحدّيًا موازيًا. فهو يؤكّد أنّ بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح التزام لبناني سابق، ويرفض تعليق هذا الالتزام على الانسحاب الإسرائيلي. هذه المقاربة تمنح مشروع الدولة أساسًا مستقلًا عن الشروط الخارجية، لكنها تضع الحكومة أمام سؤال سياسي صعب: كيف توسّع التأييد لخيارها إذا مضت الحكومة في تنفيذ التزاماتها، فيما بقيت الخطوات الإسرائيلية المطلوبة مؤجّلة؟
قد تكون الالتزامات واضحة بالنسبة إلى الحكومة، لكنّ الدفاع عنها أمام الناس يتأثر أيضًا بما يتحقّق من أمن وانسحاب وحماية. ولا يعني ذلك أنّ تعثّر المفاوضات يمنح تلقائيًا صدقية لأي خيار آخر، أو يعفي القوى اللبنانية من مسؤولياتها تجاه الدولة. فمعارضو المسار مطالبون بدورهم بتوضيح البديل وقدرته على وقف الاعتداءات واستعادة الأرض. غير أنّ الحكومة، بصفتها صاحبة الرهان المعلن على التفاوض، تتحمّل مسؤولية شرح ما أنجزته، وما الذي يعطّل تقدّمها، وكيف تعمل على تجاوزه.
أمّا الاكتفاء بتكرار الأهداف، مهما كانت محقّة، فيترك مسافة تتسع تدريجيًا بين خطاب السلطة وتجربة المتضررين اليومية. من هذه الزاوية، يمكن قراءة تحذير سلام بوصفه محاولة لوضع معيار يحاكم من خلاله المسار الذي يدافع عنه. لكنّ قيمة هذا المعيار ستتوقف على ترجمته إلى مطالب محدّدة ومتابعة واضحة، وعلى مصارحة اللبنانيين بحصيلة الجولات ضمن الحدود التي تسمح بها طبيعة التفاوض.
لا يملك سلام وحده ضمان الانسحاب الإسرائيلي، لكنّ حكومته تُحاسَب على كيفية إدارة التعثّر، فالثقة تحتاج إلى معرفة الاتجاه الذي يسلكه المسار، وما إذا كانت الخطوات المتفق عليها تُنفّذ، وما الذي تفعله الدولة عندما تُعطّل. وهذا يمنح الحكومة أساسًا أقوى للدفاع عن خيارها من التعويل الدائم على الجولة التالية. فإذا استمر المسار من دون تقدّم، سيصعب عليها إقناع المتضررين بجدوى الانتظار، حتى لو بقيت حجّتها بشأن كلفة البدائل صحيحة.












اترك ردك