سوريا بين هرمز ولبنان وإسرائيل.. هل تتحول الأزمة الإقليمية إلى فرصة؟

لم تتحول سوريا حتى الآن إلى ساحة مباشرة في الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، لكنها لم تنجُ من تداعياتها. فدمشق، الخارجة من سنوات طويلة من الحرب الأهلية، تحاول إعادة بناء الدولة والاقتصاد، وفي الوقت نفسه حماية تعافيها الهش من موجة اضطراب إقليمي جديدة.


وبحسب “Responsible Statecraft”، وضعت الحكومة السورية الجديدة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات وبناء المؤسسات في مقدمة أولوياتها. لكن اتساع الأزمة الإقليمية بدأ يفرض ضغوطاً اقتصادية وأمنية، من خلال اضطراب التجارة، وتردد المستثمرين، وعودة مزيد من اللاجئين.

وتزيد كلفة النقل والتأمين، إلى جانب الحذر الاستثماري، من صعوبة التعافي السوري. كما أن تراجع اقتصادات دول الخليج بسبب حرب إيران قد يدفع هذه الدول إلى تقليص أو تأجيل مذكرات التفاهم والاتفاقات الاقتصادية التي كانت قد وقعتها مع دمشق.

لكن الأزمة نفسها تفتح لسوريا بعض الفرص. فإغلاق مضيق هرمز وتراجع قدرة العراق على تصدير النفط عبر الخليج زادا أهمية الطرق البرية عبر سوريا باتجاه موانئ المتوسط.

كما عاد الحديث عن إنشاء خطوط أنابيب تربط دول الخليج بالبحر المتوسط عبر الأردن وسوريا، وهي مشاريع قد تجذب استثمارات كبيرة إذا سمحت الظروف الإقليمية بذلك.

إلى جانب ذلك، يمكن لخطط تركيا والسعودية لإحياء سكة حديد الحجاز التاريخية، التي كانت تربط مكة بإسطنبول، أن تمنح سوريا موقعاً تجارياً ولوجستياً مهماً، وتجعلها جسراً برياً بين أوروبا ودول الخليج.

وقال الباحث كرم شعار إن هذه الفرص قد تحسن موقع سوريا الإقليمي بشكل كبير، وتساعد الحكومة السورية على تثبيت سلطتها، في مرحلة تبدو فيها أولوية دمشق هي “ترسيخ الحكم”.

لكن المخاطر لا تزال كبيرة. فموقع سوريا بين لبنان والعراق والأردن وتركيا يجعلها شديدة التأثر بأي تصعيد خارج حدودها، حتى لو لم تكن طرفاً مباشراً فيه.

ويُعد لبنان تحديداً عاملاً حساساً بالنسبة إلى دمشق. فبحسب جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، فإن أي انكماش في الاقتصاد اللبناني يترك أثراً مضاعفاً على سوريا، لأن الاقتصادين مرتبطان بشكل وثيق.

ومن نتائج الأزمة اللبنانية ارتفاع عدد اللاجئين السوريين العائدين من لبنان. وهذا قد يخلق إنفاقاً فورياً داخل سوريا، لكنه يطرح في المقابل مشكلات كبيرة، لأن كثيراً من هؤلاء كانوا يعملون في لبنان ويرسلون تحويلات شهرية إلى الداخل السوري.

كما أن سوريا لا تملك، بحسب التقرير، ما يكفي من السكن أو فرص العمل أو القدرة المؤسسية لاستيعاب موجة كبيرة من العائدين.

أمنياً، يبرز خطر آخر يتمثل في قدرة الجماعات المسلحة على استغلال التوترات. وحذر الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي من بقايا تنظيم “داعش”، وشبكات مرتبطة بالنظام السابق، ومجموعات مدعومة من إيران داخل سوريا أو في دول مجاورة، معتبراً أن أياً من هذه الجهات لا يريد نجاح الحكومة السورية الجديدة.

وفي 17 تموز، نفذت إيران ضربة على شرق سوريا، قالت إنها استهدفت مركز قيادة أميركياً للعمليات الخاصة. ويرى التقرير أن الضربة كانت رسالة سياسية أكثر من كونها تحولاً عسكرياً مباشراً.

وقال لانديس إن رسالة إيران كانت: “لا تصعدوا”. فطهران أرادت أن تظهر أنها قادرة على توسيع دائرة الألم وضرب دول عدة إذا زاد الضغط عليها.

أما بربندي، فيرى أن الضربة قد تكون أيضاً تحذيراً لدمشق، في ظل النقاشات حول دور سوري محتمل في الحد من نفوذ “حزب الله” في لبنان. لكنه أشار إلى أن سوريا لا تبدو مستعدة للتورط عسكرياً في لبنان.

في المقابل، يقلل كرم شعار من أهمية الضربة، معتبراً أنها لا تغير حسابات المنطقة، وأن إيران تحاول فقط إظهار مدى قدرتها على الوصول إلى ساحات مختلفة.

وبصرف النظر عن الهدف الدقيق للضربة، فهي تكشف صعوبة موقف دمشق، التي تحاول الحفاظ على الحياد بين قوى إقليمية متصارعة.

وتبقى العلاقة مع إسرائيل من أكثر الملفات تعقيداً. فدمشق تريد الابتعاد عن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، لكنها في الوقت نفسه ترى الاحتلال الإسرائيلي لجنوب شرق سوريا تهديداً لسيادتها وخططها للتعافي.

كما تعتبر أن التحركات الإسرائيلية في العالم العربي تشكل أحد مصادر عدم الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، لا تملك الحكومة السورية مصلحة في مواجهة مع إسرائيل قد تعرقل إعادة الإعمار واستعادة العلاقات العربية.

لذلك، اتخذت سوريا موقفاً رسمياً محايداً من الحرب بين إسرائيل وإيران، في تحول واضح عن نهج مرحلة الأسد، حسب التقرير,

ويبدو أن الرئيس السوري أحمد الشرع وفريقه يريدون منع تحول سوريا مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وتعتمد الحكومة على سياسة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في الحرب، وتحسين العلاقات مع واشنطن والعواصم العربية وتركيا ودول أخرى.

في الوقت نفسه، تحاول دمشق الاستفادة من التحولات الإقليمية لبناء شراكات أقوى مع تركيا ودول الخليج، بما يعزز فرصها الأمنية والاقتصادية.

لكن نجاح سوريا في عزل نفسها عن الأزمة الإقليمية يعتمد أساساً على استقرارها الداخلي. ويرى بربندي أن التحدي الأهم أمام الحكومة الجديدة ليس عسكرياً فقط، بل يتعلق بقدرتها على بناء مؤسسات تمثل كل السوريين، وتطبق القانون بعدالة، وتحارب الفساد، وتوفر الخدمات، وتخلق فرصاً اقتصادية، وتطلق مساراً جدياً للعدالة الانتقالية.