صندوق النقد الدولي يمهل لبنان مجدداً لاستعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع: معادلة جديدة لتوزيع الخسائر

كتب علي زين الدين في “الشرق الاوسط”:

 

 

أسهمت التطورات الحربية وتداعياتها، حسب معلومات مسؤول مالي معني، بمنح لبنان مهلاً جديدة تمتد مبدئياً حتى موعد الاجتماعات الخريفية للمؤسسات المالية الدولية، لإنجاز تشريعات خريطة طريق استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، بما يشمل الإصلاحات المنشودة في الجهاز المصرفي، وبموازاة التزام متطلبات مكافحة تبييض (غسيل) الأموال، خصوصاً لجهة كبح الاقتصاد غير النظامي، وإقفال مؤسسات وقنوات مرور الأموال غير المشروعة، ومعالجة الانفلاش النقدي من خلال إخضاعها لمقتضيات التحقق من المصدر إلى المستفيد.

 

وبرز تطور استثنائي من شأنه التأثير على المداولات اللاحقة في اللجان النيابية والهيئة العامة لمجلس النواب، بعدما أقر صندوق النقد، في تقرير محدث، بوصف الأزمة التي أصابت القطاع المصرفي بأنها «نظامية»، ومساواتها بأزمات مشابهة أصابت 13 بلداً حول العالم في السنوات العشر الأخيرة، بدءاً من أنغولا في عام 2015، وصولاً إلى فيتنام في عام 2022، مما سيسهم في مطابقة الإصلاحات ومسؤولياتها مع التوصيف الدولي ومحاكاة الخطط الإنقاذية المعتمدة في تجارب الدول المشابهة.

 

 

ويرتقب أن يحسم تصنيف صندوق النقد الدولي، وفق المسؤول المالي، الجدليات الداخلية المتمادية التي أفضت إلى إطالة الفشل في اعتماد الخطة المتكاملة للخروج من نفق الأزمات المالية والنقدية واحتواء تداعياتها المعيشية والاجتماعية، بوصف ذلك ممراً إلزامياً وحيداً لاستعادة الثقة بالقطاع المالي ككل، والعودة المتدرجة إلى التعافي الاقتصادي، خصوصاً بعد الخسائر الجسيمة، إعمارياً واقتصادياً، لفصول متتالية من الحروب المدمرة، والمقدّر ألا يقل تراكمها عن 20 مليار دولار بالحدود الدنيا.

 

 

كذلك، تكتسب هذه المقاربة، وفق المسؤول المالي، أهمية إضافية في ظل النقاشات المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المالي، لا سيما مشروع قانون استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع المحال من قبل الحكومة إلى المجلس النيابي؛ إذ «إن الاعتراف بالطابع النظامي للأزمة يفرض إعادة النظر في بعض التوجهات المطروحة، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للمسؤوليات والأعباء بين مختلف الأطراف المعنية، وبعيداً عن اختزال ما جرى ضمن إطار ضيق وتحميل المودعين والبنوك كامل تبعات الانهيارات».

 

ويتفق هذا التطور في التوصيف الدولي لطبيعة الأزمة، مع المطالعة القضائية لمجلس الشورى قبل أكثر من سنتين، والتي استخلصت أن لبنان لا يواجه أزمة مصرفية عادية، بل أزمة نظامية، ومحملاً الدولة المسؤولية الأولى عن الأزمة المالية، نتيجة اعتماد سياسة الاقتراض من مصرف لبنان لتمويل العجز في موازناتها. جرى تجديد التداول بهذه المطالعة خلال اجتماع رئيس الجمهورية جوزاف عون، مع مجلس إدارة جمعية المصارف برئاسة الدكتور سليم صفير، وإبلاغه الاستعداد لتحمل المصارف مسؤولياتها وللمشاركة في تحمّل الخسائر، ضمن سياق لا يحوّل الإصلاح إلى تصفية، أو تحويل إعادة الهيكلة إلى تحميل غير عادل للقطاع والمودعين معاً، مما يقتضي العدالة في توزيع المسؤوليات والأعباء، والحرص على حماية حقوق المودعين، والحفاظ على مقومات استمرارية القطاع.

 

وشدد عون على «أهمية الوصول إلى حل عادل وشامل للأزمة المصرفية بما يرضي الجميع ويحفظ الحقوق على حد سواء»، مؤكداً أهمية الإصلاح من دون تدمير أو المس بهذا القطاع، ومشدداً على أنه «من واجب الدولة الوقوف إلى جانب القطاع المصرفي وإصلاحه وإعادة هيكلته للمحافظة على الوضع الاقتصادي وضمان حقوق المودعين»، وبأنه «من دون قطاع مصرفي سليم لن تكون هناك استثمارات، ولن يكون بلد».

 

وبالأسبقية، لم يتردد حاكم البنك المركزي كريم سعيد، في إشهار تحفظاته على مندرجات مهمة واردة في المشروع الحكومي، مؤكداً حينها «أن المشروع يحتاج إلى مزيد من التوضيح والتعزيز فيما يتعلّق بالتزامات الدولة. وباعتبار الدولة الجهة النهائية التي استخدمت هذه الأموال على مدى سنوات طويلة، فإن مساهمتها يجب أن تكون محددة بشكل صريح، وقابلة للقياس، وملزمة قانوناً، ومقترنة بجدول زمني واضح وموثوق».

 

 

ولم يفُت الحاكم التطرق في مداخلاته محلياً وخارجياً، إلى معضلة «توزيع الأعباء والمسؤوليات المالية بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية»، فضلاً عن العناوين المحورية التي تخص خفض العجز المالي من خلال إزالة المطالبات غير النظامية، وتصنيف الودائع ضمن فئات محددة بوضوح، وعمليات السداد عبر مزيج من المدفوعات النقدية والأدوات المالية المدعومة بالأصول، على مراحل وضمن حدود السيولة المتاحة».

 

وتلح المصارف على نيل حقها الطبيعي في المشاركة بالنقاشات التي تقرر مصيرها، وتبيان مقاربتها القائمة على تلازم هدفي حماية المودعين واستمرارية القطاع، وتفهم ملاحظاتها الواردة ضمن مذكرتها إلى المسؤولين، التي تستخلص أنه «عوضاً عن التوزيع العادل للمسؤوليات، أخرج مشروع القانون المحال إلى مجلس النواب، الدولة، وهي المسؤولة الأولى عن الفجوة، من أي مساهمة واضحة في الخسائر. ولم يكتفِ المشروع بذلك؛ بل ألحق الأذى بالقطاع المصرفي والمودعين على حدّ سواء».

 

وفي الخلاصة، يلفت المسؤول المالي إلى أن التجارب الدولية تظهر أن الأزمات النظامية، مهما بلغت حدتها، يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء أنظمة مالية أكثر صلابة وحداثة إذا توافرت الإرادة السياسية والإصلاحات الجدية. ومن هنا، تبدو المرحلة الحالية فرصة لإعادة صياغة نموذج اقتصادي ومالي جديد يعيد للبنان موقعه ودوره المالي في المنطقة، ويؤسس لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية على حد سواء.

 

ولذا، يصبح من الضروري، حسب المسؤول عينه، اعتماد مقاربة تشاركية ومتوازنة تعيد بناء الثقة بالقطاع المالي والمصرفي، وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق المودعين والمستثمرين واستمرارية المؤسسات المالية؛ فإعادة النهوض الاقتصادي لا يمكن أن تتحقق عبر سياسات تصادمية أو حلول ظرفية، بل من خلال رؤية إصلاحية شاملة تعترف بحجم الأزمة الحقيقي وتؤسس لمسار تعافٍ تدريجي ومستدام.

وكتب جوزيف فرح في “الديار”: في ظل الحرب والظروف الضاغطة الناتجة عنها، كثر الحديث عن احتياطي المصرف المركزي، خصوصا بعد تراجعه والتخوف من الضغط الكبير عليه وعلى سعر الصرف، وتأثير ذلك على أرض الواقع. هذه الأزمة دفعت أصحاب القرار للتداول بحلول مقترحة، وهي تتوزع بين حلول سيئة وأخرى جيدة، حسب ما يقول الخبير الاقتصادي والمالي د. باتريك مارديني، الذي يرى أن “فرض كابيتال كونترول حاليا على الدولار الفريش هو من أسوأ الحلول، بينما أفضلها هو تأليف مجلس نقد currency board يحافظ على سعر الصرف، ويحمي الليرة من الانهيار”.

 

ويقول “لقد انخفض احتياطي مصرف لبنان بالعملات الاجنبية بحوالي نصف مليار دولار، بين أواخر شهر كانون الثاني وشهر نيسان 2026، وبالتالي يوجد ضغط على هذا الاحتياطي، وهو نتيجة ثلاثة عوامل: اولها ارتفاع فاتورة الاستيراد، والثاني عجز الموازنة العامة، أما العامل الثالث فهو سحب أموال المودعين وفق التعميمين 158 و166”.

 

ويشير الى انه في “صيف 2023 تغيرت السياسة في لبنان، وقد قرر المصرف المركزي عدم إقراض الدولة لا بالليرة ولا بالدولار، مما أحدث الانضباط المالي. وقد قابلته الحكومة اللبنانية بإنتاج فائض في الموازنة العامة، اي بدل أخذها المال من صندوق المصرف المركزي، أصبحت تضعه في الصندوق، وهذا ما ضاعف الاحتياطي منذ منتصف العام 2023 حتى شهر كانون الثاني 2026، وقد ارتفع بالنتيجة من حوالي 7 مليار إلى 12 ملياراً تقريبا ، وقد سمح هذا المسار للمصرف المركزي أن يزيد قليلا سقوف سحوبات المودعين، لكن عندما دخلنا بالحرب تغيرت المعطيات قليلا “. ويتابع: “الذي استجد عند دخولنا الحرب عاملان: اولهما العامل الخارجي اي عامل ارتفاع أسعار النفط، وهذا يعني أن كل ما نستورد سيرتفع ثمنه، وفي مقدمتها بالطبع الفاتورة النفطية التي يتبعها ارتفاع أسعار النقل وليس فقط النقل، إنما أيضا أسعار التأمين على البواخر الناقلة، نتيجة وجود المخاطر في النقل البحري، وهذا كله أدى إلى ارتفاع كلفة الشحن، وبالتالي اي بضاعة مستوردة من الخارج ارتفع سعرها. ويلفت الى ان “الكلفة الثالثة هي أن المواد الغذائية تعتمد على الاسمدة التي تعتمد على النفط، كما أن العديد من المنتجات الصناعية هي حقيقة تحتاج إلى النفط، مما أدى إلى ارتفاع سعر كل ما نستورده”.

 

ويشير الى انه “اذا امتدت فترة الحرب هذه حتى الصيف، ستتراجع مداخيل الدولة بشكل اكبر بكثير، بينما قد زادت مصاريفها لانها بالحقيقة تصرف الكثير من المال على موضوع النزوح وإزالة الركام”.

 

وعن الحلول يقول ” يوجد حلول سيئة وأخرى جيدة . الكابيتال كونترول هو برأيي من الحلول السيئة، وهو بهذا الوضع الذي نمر به من أسوأ الحلول، إذ لا نستطيع أن نفرض كابيتال كونترول على الفريش دولار، وهو احد الحلول التي يتم الحديث عنها. أما احد الحلول الأخرى التي يتم التحدث بها فهو تخفيف الدفع للمودعين، اي تخفيض سقف السحوبات للمودعين، أما الحل الثالث فهو انهيار سعر صرف الليرة، لكن يوجد إجماع لبناني على عدم الرغبة بانهيار سعر الصرف، لعدم إعادة تجربة الأعوام السابقة ما بين 2019 و 2023 “.

 

ويرى أن “هذه هي السيناريوهات المطروحة حاليا، وانا برأيي انها سيناريوهات سيئة، إذ يوجد سيناريو رابع يجب البحث به بجدية وبسرعة، وهو انشاء مجلس نقد، وهو نظام يقول بانه يجب ان تغطى الليرة 100% بالدولار، اي كل 89500 ليرة يقابله دولار في الصندوق”، ويضيف: “أما الجزئية الثانية فتقول أن كل الأموال الفريش التي وضعتها المصارف التجارية في المصرف المركزي، لا يحق له التصرف بها، وعليه الاحتفاظ بها في الصندوق لكي تسحبها هذه المصارف عند حاجتها إليها”.

 

ويختم “ان وجود احتياطي 100% للودائع والليرة يحمينا من انهيار سعر صرف الليرة، ويحمينا من هروب الرساميل، ويخفف من الضغط على الليرة ، ويحرر الاحتياطي بالعملات الأجنبية، بحيث نستطيع القيام بما نريد من إصلاحات. انا اعتقد بأن هذا المجلس هو الحل الأنسب والأفضل، اذ كان يتم البحث به بشكل بطيء، لكن حاليا ومع الضغط الحاصل على الاحتياطي، يجب تسريعه ووضعه على نار حامية”.