عون إن “طرابلس ليست مدينة على هامش الوطن”، وإن أبناءها شركاء كاملون في بناء الدولة وصناعة القرار الوطني، فإنه يضع مسألة الإنصاف بين المناطق في صلب الخطاب الرئاسي. لكن قيمة هذا الكلام لن تُقاس بوقعه السياسي وحده، بل بمدى تحوّله إلى خطوات ملموسة يشعر بها أبناء المدينة في حياتهم اليومية.
لقد عانت طرابلس طويلًا من تراكم الأزمات، ومن الفجوة بين ما تمتلكه من مقومات وما تستثمره الدولة فعليًا من إمكاناتها. وهي ليست مدينة تفتقر إلى الموارد البشرية أو الموقع الجغرافي أو الفرص الاقتصادية، بل مدينة تحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين الأمن والإنماء، وبين الاستثمار وفرص العمل، وبين المؤسسات العامة واحتياجات الناس. وقد أقرّ عون نفسه، من سرايا طرابلس، بأن الإهمال طال المدينة، داعيًا إلى وضع حدّ له، ومؤكدًا أن كرامة المواطن تقتضي أن تكون الخدمات العامة متاحة للجميع.
لكن التحدي لا يكمن في الاعتراف بالتهميش، بل في إنهائه. فطرابلس لا تحتاج إلى زيارة رئاسية تُضاف إلى سجل الزيارات، بقدر ما تحتاج إلى متابعة حكومية تضمن ألا تنتهي مفاعيلها بانتهاء الجولة. وهي تحتاج إلى قرارات تحدّد الأولويات، وجداول زمنية قابلة للقياس، ومساءلة عن التنفيذ، بعيدًا من الوعود التي تتجدد عند كل استحقاق ثم تتراجع أمام التعقيدات الإدارية والسياسية والمالية.
غير أن وجود هذه المقومات لا يعني تلقائيًا أن المدينة ستصبح مركزًا اقتصاديًا فاعلًا. فالمرافق تحتاج إلى إدارة شفافة، وقرارات تنفيذية، وشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، فضلًا عن بيئة أمنية وقانونية مستقرة تشجّع المستثمرين على توظيف أموالهم. كما أن التنمية لا تكتمل بالمشاريع الكبرى وحدها؛ إذ ينبغي أن تصل نتائجها إلى المؤسسات الصغيرة، والحرفيين، والشباب الباحثين عن عمل، والعائلات التي تواجه أعباء المعيشة، وأن تتحول إلى فرص حقيقية لا إلى عناوين في خطط التنمية.
ومن هنا تبرز أهمية تأكيد عون أن “لا إنماء من دون أمن”. فالأمن شرط أساسي لاستقرار المدينة وحماية الاستثمار وحياة المواطنين، لكنه لا يمكن أن يُختزل في الانتشار الأمني أو الإجراءات الميدانية. الأمن المستدام يحتاج أيضًا إلى دولة حاضرة بخدماتها، وإلى قضاء فاعل، وإلى فرص اقتصادية تقلّص أسباب الهشاشة الاجتماعية، وإلى مؤسسات يشعر المواطن بأنها تقف إلى جانبه وتحمي حقوقه.
هكذا استقبل اهالي طرابلس الرئيس عون https://t.co/ZW959MFthQ
— Lebanon 24 (@Lebanon24) October 24, 2026
والأهم أن طرابلس لا ينبغي أن تُختصر في الصورة النمطية التي تربطها بالأزمات الأمنية أو الفقر أو الحرمان. فهي مدينة ذات تاريخ سياسي واقتصادي وثقافي عريق، وأبناؤها ليسوا مجرد فئة تنتظر المساعدات، بل شركاء قادرون على المساهمة في إنقاذ الاقتصاد الوطني إذا أُتيحت لهم الفرص المناسبة. إن التعامل مع المدينة من منطلق الحقوق والمواطنة، لا من منطق الاحتواء الموسمي، هو المدخل الضروري لإعادة بناء الثقة بينها وبين مؤسسات الدولة.
وفي بلد يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة، تكتسب الزيارة أيضًا بعدًا وطنيًا أوسع. فاستعادة الثقة بالدولة لا تتحقق في العاصمة وحدها، ولا تُقاس بقدرة المؤسسات على اتخاذ القرارات الكبرى فحسب، بل بقدرتها على الوصول إلى المواطنين في مختلف المناطق، وتطبيق معايير الإنماء والخدمات من دون تمييز. ومن الصعب الحديث عن دولة قوية فيما يشعر جزء من أبنائها بأنهم خارج حسابات أولوياتها.
المصدر:
خاص “لبنان24”











اترك ردك