في البُعد الأمني، لا تقلّ الصورة وضوحاً. المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة شمال الليطاني بدأت، وهي ليست تفصيلاً تقنياً، بل مؤشر إلى أنّ قرار احتكار الدولة للقوة الشرعية خرج من دائرة الخطاب إلى مسار التنفيذ. قد يكون التنفيذ متدرّجاً، وقد تحدّه الإمكانات، لكنّ الاتجاه ثابت: لا سيادة من دون سلاح شرعي واحد، ولا استقرار طويل الأمد من دون مرجعية أمنية موحّدة. وفي موازاة ذلك، يتحرّك الرئيس على خط خفض التوتر الإقليمي. دعواته المتكرّرة إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولو تدريجياً وضمن مهلة محدَّدة، ليست طرحاً إنشائياً. فكل تهدئة على الحدود توسّع هامش الدولة في الداخل، وتُسقط ذرائع الخارج عن الداخل. من هنا، فإنّ أي تقدّم على هذا المسار يعزّز مناخ استكمال خطة حصرية السلاح بدل تعطيلها. لا أحد يملك عصا سحرية لإعادة بناء دولة أنهكها تراكم الفساد والحروب والانقسام على مدى عقود. لكنّ التاريخ لا يرحم اللحظات التي يُتاح فيها الخيار ثم يُهدَر. والرهان اليوم ليس على شخص، بل على فكرة: إمّا دولة تحترم مواعيدها وتستعيد تدريجياً قرارها السيادي، وإمّا استمرار ثقافة التأجيل وربط كل استحقاق بتوازنات الخارج.
وكتب عماد مرمل في” الجمهورية”:لا يشجع سلوك الطبقة السياسية عبر مختلف المراحل والتجارب على التفاؤل إزاء قدرتها على التمايز عن الإرادة الخارجية، وإدارة الاستحقاقات الأساسية باستقلالية. ومع اقتراب موعد الاستحقاق النيابي في أيار المقبل، يبدو أنّ سيناريو مشابهاً هو قيد التشكّل، ولكن في الاتجاه المعاكس هذه المرّة. بمعنى أنّ القوى الخارجية النافذة بدأت ترفع وتيرة ضغطها، ليس لإجراء الانتخابات النيابية بل لتأجيلها. وبهذا المعنى، يتأكّد المؤكّد مجدداً، وهو أنّ الدول تضع مصالحها فوق كل اعتبار، وأنّ معاييرها مزدوجة وغبّ الطلب تبعاً لمقتضيات حساباتها المتحركة. ضمن هذا السياق، تقول شخصية سياسية على صلة بسفراء الخماسية، إنّ مبدأ احترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية ليس الأولوية بالنسبة إلى معظم العواصم الخارجية المؤثرة في الوضع اللبناني، بل إنّ هذا الأمر آخر همّها، وما يعنيها فقط ضمان مصالحها. وتشير الشخصية إلى أنّ مصير الانتخابات بات يتوقف للأسف على الكلمة الفصل للقوى الخارجية، لافتة إلى أنّه يجب الإقرار بأنّ الشعب اللبناني مغلوب على أمره، وأنّ الطبقة السياسية في غالبيتها تتصرف وفق مقتضيات الإشارات الآتية من خلف الحدود.
وكتب طوني عطا الله في” الجمهورية: قد تكون البلاد مقبلة على مرحلة يصبح فيها إجراء الانتخابات النيابية متعذّراً عملياً، السؤال الجوهري: هل يجوز الإصرار على انتخابات شكلية في دولة غير قائمة فعلياً، أم أنّ حماية الدولة تُعتبر أولوية أكثر أهمية من حماية صندوق اقتراع تعتوره ضغوط خفية؟ المخرج الدستوري الوحيد الممكن، في حال تعذّر إجراء الانتخابات، هو الإقرار بأنّ هناك حالة قاهرة تستدعي تطبيق مبدأ استمرارية المؤسسات، لتفادي الفراغ.
نحن أمام خيارين: إمّا انتخابات تُحترم فيها الإجراءات، لكنّها تُفرغ من السيادة والحرية، وإمّا إرجاء مشروط بإعادة بناء شروط الشرعية: استعادة الدولة، سيادة فعلية، مؤسسات رقابية موثوقة، وأمن انتخابي حقيقي من دون ضغوط أو ترهيب. من هنا، يصبح إرجاء الانتخابات لفترة محدودة – أشهر أو سنة كحدّ أقصى – خياراً اضطرارياً لا رغبة فيه ولا ترويجاً له. النقاش الحقيقي ليس بين انتخابات وتمديد، بل بين دولة وانتخابات بلا دولة. إذا كانت الدولة قائمة وقادرة، فالانتخابات واجب لا يحتمل التأجيل. أمّا إذا كانت الدولة متحلّلة وعاجزة، فإنّ الأولوية تصبح إعادة تكوينها، ولو تطلّب ذلك إرجاء الاستحقاق الشعبي لفترة قصيرة ومحدّدة. لا تمديد، ولا مصادرة للإرادة الشعبية، بل انتظار مشروط باسم الدولة، لا باسم السلطة.












اترك ردك