فرنسا أمام موجة احتجاجات عنيفة… أكثر من 1200 موقوف واشتباكات في مدن عدة

شهدت فرنسا تصعيداً في الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، بعدما تحولت مواجهات في عدد من المدن إلى أعمال عنف وتخريب، وسط انتشار أمني واسع واعتقال أكثر من 1200 شخص.

وشهدت باريس مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع، فيما أُحرقت سيارات وحاويات نفايات، وتعرضت واجهات متاجر ومطاعم للتكسير. كما انتشرت وحدات مكافحة الشغب في مناطق وسط العاصمة.


وامتدت الاضطرابات إلى مدن أخرى، إذ أُضرمت النيران في مكتب السياحة بمدينة ليون، وتعرض مبنى البلدية في مرسيليا للتخريب، فيما اندلع حريق في مبنى بلدية ليموج أدى إلى انهيار جزء من سقفه. كما سُجلت أعمال تخريب في غرونوبل وأفينيون ومدن أخرى.

من المدارس إلى الشارع
بدأت التحركات أواخر أيلول في مدارس ثانوية بضواحي باريس الشمالية، احتجاجاً على نقص المدرسين وسوء تجهيزات المؤسسات التعليمية، قبل أن تتوسع لتشمل مطالب تتعلق بغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الوقود، وعدم المساواة، وتراجع الإنفاق العام.

وقالت متظاهرة تبلغ 19 عاماً إن المشاركين يحتجون لأن تكاليف المعيشة أصبحت مرهقة، ولأن أسعار الوقود مرتفعة، ولأن طلاباً تعرضوا للعنف أثناء مطالبتهم بتحسين ظروف التعليم وتوفير المدرسين.

وشارك في التحركات نقابيون ومجموعات طلابية، إلى جانب مؤيدين لحركة “السترات الصفراء” التي انطلقت عام 2018 احتجاجاً على الضرائب على الوقود، قبل أن تتحول إلى حركة أوسع ضد غلاء المعيشة والتفاوت في الدخل.

اتهامات متبادلة بشأن العنف
واتهمت وزارة الداخلية الفرنسية مجموعات من اليسار المتطرف بالوقوف وراء جانب من أعمال العنف، مشيرة إلى مواجهات مع الشرطة ومحاولات نهب متاجر والاعتداء على مبانٍ عامة. كما تعهد الرئيس إيمانويل ماكرون بملاحقة المسؤولين عن أعمال العنف قضائياً.

في المقابل، قال متظاهرون إن الغالبية شاركت سلمياً، وإن مجموعات محدودة جاءت بهدف التخريب ومواجهة الشرطة.

وأثارت طريقة تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات انتقادات متجددة، خصوصاً بعد إصابة مراهق بجروح خطيرة في يده إثر التقاطه قنبلة صوتية. كما يحقق جهاز الرقابة الداخلي للشرطة في عشرات الشكاوى المتعلقة بادعاءات استخدام القوة بصورة غير قانونية.

وكانت السلطات قد علّقت استخدام القنابل الصوتية خلال احتجاجات الطلاب، لكن وزير الداخلية لوران نونيز قال إن استخدام وسائل مكافحة الشغب قد يُسمح به مجدداً عند وقوع مواجهات.

وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي إصابة 150 شرطياً خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد السبت، معتبراً أن من “المعجزة ألا تكون الحصيلة أعلى”، في ظل ما وصفه بالعنف الشديد الذي واجهته قوات الأمن.

وجاءت تصريحات رئيس الوزراء خلال تفقده عناصر الشرطة في وسط باريس، بعد تظاهرات حاشدة احتجاجاً على ارتفاع تكلفة المعيشة، قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.

وقال منظمو الاحتجاجات إن عدد المشاركين بلغ نحو 800 ألف، بينما قدّر وزير الداخلية لوران نونيز العدد بنحو 550 ألف متظاهر.

وشهدت ساحة الجمهورية في باريس مواجهات بين الشرطة ومئات المحتجين، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وأطلق متظاهرون ملثمون، ارتدى معظمهم ملابس سوداء، مقذوفات وألعاباً نارية باتجاه الشرطة.

وفي مرسيليا، اقتحم محتجون مبنى البلدية لفترة وجيزة، ما دفع السلطات إلى إرسال تعزيزات أمنية. كما تعرض مبنى بلدية ليل للاقتحام والتخريب، فيما أعلنت السلطات نهب مقر إقامة المحافظ في بوردو.

واندلعت حرائق في مبنى بلدية ليموج التاريخي، الذي يزيد عمره على 140 عاماً، وفي مبنى وسط غرونوبل وفرع لمكتب السياحة في ليون. وقال مسؤول محلي إن مبنى بلدية ليموج تعرض لدمار واسع بعدما اقتحمه متظاهرون ملثمون وأضرموا النار فيه.

وفي باريس، هاجم نحو 100 متظاهر مقر قناة “سي نيوز” وألقوا مقذوفات على واجهته، فيما فضت الشرطة مسيرتين غير مصرح بهما وشددت عمليات التفتيش في المناطق التي شملها حظر التظاهر.

من جانبه، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أنه “لا مكان للعنف” في فرنسا، متعهداً بملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والنهب ومعاقبتهم.

وفي أعقاب الاحتجاجات، دعت النقابات موظفي القطاعين العام والخاص إلى الإضراب والتظاهر في 5 تشرين الثاني المقبل، للمطالبة بتحسين الرواتب والخدمات.

ضغوط سياسية واقتصادية
وتأتي الاحتجاجات فيما تواجه الحكومة ضغوطاً بسبب ارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض، إلى جانب الاستياء من تراجع الخدمات العامة وارتفاع الأسعار. كما أعادت التحركات إلى الواجهة مخاوف من عودة اضطرابات واسعة شبيهة بتلك التي شهدتها البلاد خلال احتجاجات “السترات الصفراء”.

وامتدت التحركات إلى خارج فرنسا أيضاً، إذ شهدت بروكسل احتجاجات شارك فيها شبان، تخللتها مواجهات مع الشرطة، وسط اعتراضات على ارتفاع تكاليف التعليم والإصلاحات التي يخشى المحتجون أن تجعل التعليم العالي أقل إتاحة.