في عيده… الجيش رهان لبنان الأخير

في الأول من آب، تتكرر الطقوس نفسها: أوامر يومية، تفقّد للثكنات، تحية للشهداء والجرحى، وخطابات تتحدث عن الوفاء والتضحية. لكن عيد الجيش هذا العام لا يشبه سابقاته. فهو يأتي بعد أشهر من توقيع “اتفاق إطار” مع إسرائيل برعاية أميركية، وفي خضم مسار استعادة السيادة وحصر السلاح بيد الدولة، في مواجهة واقع وجود جهة لا تعترف بأن الدولة وحدها تملك حق القرار في الحرب والسلم.


غير أن الاختبار الذي يواجهه الجيش لا يقتصر على الميدان والسياسة فقط. فالمؤسسة العسكرية تدخل هذه المرحلة وهي تحمل أعباء سنوات من الأزمة المالية ونقص الموارد وتراجع الإمكانات، ما يضيف إلى مهماتها الأمنية تحدياً آخر يتعلق بقدرتها على الحفاظ على جهوزيتها واستقلالية قرارها في ظل اعتماد متزايد على الدعم الخارجي.

الشرعية الجامعة في زمن الانقسامات

قلّما بقيت في لبنان مؤسسة يتفق عليها معظم المواطنين، رغم انقساماتهم الطائفية والسياسية الحادة. فالجيش، بتركيبته التي تحاكي الفسيفساء اللبنانية، ظل لعقود الاستثناء الذي يصمد حين تنهار مؤسسات أخرى. وهذه الشرعية ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تراكم طويل من الانضباط في لحظات صعبة مرّت على البلاد، ولا سيما في مواجهة الحروب والفوضى الأمنية الداخلية المتكررة.

May be an image of one or more people and text

غير أن هذه الصورة التي رسّخها الجيش، والتي يتغنى بها القادة السياسيون في كل خطاب ، تواجه اليوم امتحاناً مختلفاً. لم يعد السؤال فقط: “هل يثق اللبنانيون بجيشهم؟”، بل: “هل يستطيع هذا الجيش تنفيذ ما يُطلب منه من دون أن يخسر الثقة التي بناها؟”.

على الورق، تبدو مهمات الجيش واضحة: ضبط الحدود الجنوبية والشرقية، مراقبة السواحل، مكافحة الإرهاب والتهريب، والانتشار في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. لكن الواقع الميداني أكثر تعقيداً. فبموجب اتفاق الإطار الموقّع في حزيران الماضي، بات على الجيش قيادة عملية حصر السلاح غير الشرعي، بدءاً من “مناطق تجريبية” محدودة، تليها مراحل أوسع، تحت إشراف آلية تحقق دولية تقودها الولايات المتحدة.

No photo description available.

وقد بدأت هذه العملية فعلياً في عدد من القرى الجنوبية، لكنها اصطدمت سريعاً بواقع أكثر قسوة من النصوص: طرق مقطوعة بفعل الاحتلال، انسحاب إسرائيلي متعثر، وسكان يتساءلون كيف يُطلب منهم العودة الآمنة إلى قرى ما زال الاحتلال يسيطر على مداخلها. هذه الفجوة بين الاتفاق والواقع تضع الجيش أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فهو مطالب بتنفيذ التزامات لبنانية تجاه طرف لا يلتزم، في المقابل، باستحقاقاته الخاصة بالانسحاب الكامل.

 بين ضغوط الخارج وانقسام الداخل

إذا كانت المهمة الأمنية شائكة، فإن المسار السياسي لا يقل تعقيداً. فالجيش يجد نفسه اليوم بين ثلاثة ضغوط متزامنة: الولايات المتحدة التي تربط استمرار دعمها المالي والعسكري بوتيرة تنفيذ حصر السلاح، وإسرائيل التي تستخدم بطء التنفيذ ذريعة لتبرير استمرار وجودها داخل الأراضي اللبنانية، وانقسام داخلي حاد حول الاتفاق نفسه.
فبينما يصف مسؤولون في الحكومة الاتفاق بأنه خطوة أولى نحو استعادة الدولة لدورها الكامل، يراه حزب الله تنازلاً مذلاً لا شرعية له، فيما يحذر بعض النواب من أن الملف قد يتحول إلى عامل توتر داخلي. وهذا التباين ينعكس مباشرة على هامش الحركة المتاح أمام الجيش؛ إذ إن كل خطوة ميدانية تصبح قابلة للتفسير السياسي من أكثر من طرف، ما يجعل الحفاظ على حياد المؤسسة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

No photo description available.

ما يميز هذه المرحلة أن الجيش لم يعد مجرد طرف أمني منفذ، بل أصبح محوراً أساسياً في مسار إعادة تثبيت دور الدولة.
هذا الموقع يمنحه دوراً أكبر مما اعتاد عليه، لكنه في المقابل يحمّله مسؤولية غير مسبوقة. وحسب مصادر امنية، فإن أي تعثر في التنفيذ لن يُقرأ فقط كإخفاق ميداني، بل كإشارة إلى عجز الدولة اللبنانية عن فرض قرارها الأمني.
ومن هنا يمكن فهم حرص قيادة الجيش على خطاب متوازن، يؤكد الاستعداد للانتشار في كل المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، مع التشديد على أن أي خطوة يجب أن تنسجم مع “المقتضيات والثوابت الوطنية”، وأن تبقى قراراً لبنانياً لا نتيجة إملاءات خارجية.

May be an image of text

جيشٌ يستحق الالتفاف حوله

يصعب الجزم اليوم بالمسار الذي ستسلكه المرحلة المقبلة. فإذا نجح الجيش في تنفيذ حصر السلاح تدريجياً من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، وإذا التزمت إسرائيل فعلياً بالانسحاب الكامل، فقد يشكل هذا العام نقطة تحول تعيد للدولة موقعها الطبيعي في إدارة قرار الحرب والسلم للمرة الأولى منذ عقود.
أما إذا تعثر التنفيذ، فإن الكلفة السياسية ستكون كبيرة: مزيد من الانقسام الداخلي، وربما اهتزاز الثقة الشعبية بمؤسسة بقيت لعقود فوق الاصطفافات.
إن الجواب عن مستقبل هذا المسار، لن يُكتب في الخطابات الاحتفالية، بل في القرى الجنوبية التي ينتظر أهلها العودة، وفي قدرة الدولة على استعادة كامل أراضيها، وفي نجاح الجيش في تنفيذ مهمة حصر السلاح بيد الدولة وحدها، بلا شراكة ولا استثناء.

No photo description available.

وفي عيده الحادي والثمانين، يستحق هذا الجيش، وهو يحمل على عاتقه هذه المهمة التاريخية، أن يقف المواطنون خلفه في هذه المرحلة؛ فقوته لطالما كانت انعكاساً لوحدتهم، وصموده ضمانة لصمود الوطن نفسه.

May be an image of text
May be an image of one or more people and text
May be an image of text