وبحسب التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24″، أدت تركيا خلال المرحلة الماضية دوراً مهماً لم يحظَ باهتمام واسع، إذ ساهمت في منع اندلاع مواجهة بين “حزب الله” والرئيس السوري أحمد الشرع، بعدما فتحت قناة اتصال مع الحزب وعملت على ضبط العلاقة بين لبنان وسوريا والحفاظ على طابعها السلمي.
وأشار التقرير إلى أن الشرع كان يطالب لبنان بتسليم عناصر من “حزب الله” متهمين بارتكاب جرائم في سوريا، بالتوازي مع اتهامات للحزب بإيواء فلول من نظام بشار الأسد. ووفق التقرير، كانت الأوضاع تقترب من مواجهة محتملة، قبل أن تتدخل تركيا وتحيّد هذا الخطر، ليتراجع الشرع عن مطلبه الأولي المتعلق بعناصر الحزب.
ورأى التقرير أن “حزب الله” لا يزال قلقاً من احتمال حصول تدخل سوري، ولا سيما في ظل الضغوط المتزايدة التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأمر الذي يجعل العلاقة مع تركيا ذات أهمية خاصة بالنسبة إليه.
ولفت إلى أنه في الوقت الذي لم يكن فيه “حزب الله” يرغب سابقاً في وجود قوة تنافس النفوذ الإيراني في سوريا أو لبنان، بات ينظر الآن إلى الحضور التركي باعتباره ضرورة. فالعلاقة مع أنقرة، وفق التقرير، لا تكتسب أهميتها فقط من قدرتها على إبقاء دمشق على مسافة من الحزب، بل أيضاً من إمكانية أن توفر له مظلة حماية في مواجهة إسرائيل.
وذكر أنَّ الحزب يدرك أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، مشيراً إلى أنه لا يزال يحتفظ في الوقت الحالي بولاء غالبية الشيعة في لبنان، إلا أن استمرار هذا التأييد ليس مضموناً إذا بقيت الأوضاع الحالية على حالها.
وتوقف التقرير عند الحاجة إلى تسوية تنهي الحرب وتتيح للنازحين العودة إلى منازلهم في الجنوب، معتبراً أن “حزب الله” لا يستطيع بمفرده توفير حل لهذه المعضلة، ويدرك أن أي تسوية محتملة مع إسرائيل ستحتاج إلى ضامن أمني.
وفي هذا السياق، رأى التقرير أن تركيا، بصفتها عضواً في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، يمكنها توفير قوة تؤدي دوراً أمنياً، انطلاقاً من فرضية أن إسرائيل لن تهاجم دولة عضواً في الحلف.
وذهب التقرير إلى القول إن احتمال إقدام إسرائيل على مواجهة تركيا بات أقل بعد “اتفاق مكة” الذي وقّعته أنقرة مع السعودية وباكستان الأسبوع الماضي، بحسب ما ورد في النص.
وفي المقابل، أشار إلى أن القوى اللبنانية المناوئة لـ”حزب الله” ترحب هي الأخرى بتنامي النفوذ التركي، لأنها ترى فيه عاملاً يحدّ من النفوذ الإيراني داخل لبنان، فضلاً عن كونه، من وجهة نظرها، خياراً أفضل من أي تدخل سوري يمكن أن يعيد فتح جروح قديمة ويدفع البلاد نحو مواجهة ذات طابع طائفي.
وفي قراءته لزيارة عون إلى تركيا، نقل التقرير عن الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية في باريس “ساينس بو” كريم بيطار قوله إن عون ورئيس الحكومة نواف سلام “يضعان كل بيضهما في سلة واحدة”، هي السلة الأميركية.
وانطلاقاً من ذلك، اعتبر التقرير أن الرئيس اللبناني لم يكن ليتوجه إلى أنقرة لولا حصوله على مباركة واشنطن، كما رأى أنَّ قمة حلف شمال الأطلسي كانت ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، ناقلاً عن مصادر الكاتب أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يحظى بموافقة ضمنية من ترامب، الذي يسعى إلى إيجاد توازن بين إسرائيل وتركيا.
وبحسب هذه القراءة، يدرك ترامب طبيعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما يدرك قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة وما تفرضه من صعوبة على أي صانع قرار أميركي يسعى إلى كبح تل أبيب. ولذلك، يرى التقرير أن إحدى وسائل احتواء إسرائيل تتمثل في موازنة قوتها بقوة إقليمية كبيرة هي تركيا.
وأشار التقرير إلى أن “اتفاق مكة” جعل تركيا، وفق قراءته، لا تُرى بوصفها منافساً للنفوذ السعودي، بل قوة مكملة له، لافتاً إلى أن التعاون السعودي – التركي أثبت فعاليته في سوريا، ما يفتح الباب أمام تكرار النموذج نفسه في لبنان.
وفي الوقت نفسه، تولي أنقرة اهتماماً متزايداً للبنان، فيما ذكّر التقرير بتصريحات لإردوغان في حزيران قال فيها إن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، معتبراً أن لبنان وسوريا يشكلان خط المواجهة مع إسرائيل.
وتطرق التقرير إلى الموقف الإسرائيلي من تنامي النفوذ التركي، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت تحدث عن بروز “تهديد تركي جديد” يشبه “التهديد الإيراني”.
ورأى التقرير أن إسرائيل لا ترغب في وجود دولة إقليمية قوية قادرة على منافستها أو تقييد تحركاتها، وهو ما يجعل العلاقة مع لبنان، بحسب الكاتب، مسألة مهمة بالنسبة إلى الأمن القومي التركي.
ما بعد “اليونيفيل”
وعلى الصعيد الأمني، أشار التقرير إلى أن انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان “اليونيفيل” في 31 كانون الأول سيضع لبنان أمام فراغ أمني محتمل في الجنوب، ما قد يفتح المجال، وفق التقرير، أمام مزيد من التحركات الإسرائيلية.
وذكر أنَّ ألمانيا كانت قد اقترحت الشهر الماضي تكليف قوات أوروبية الحلول محل “اليونيفيل”، فيما كان ملف الجنوب حاضراً أيضاً في محادثات عون في أنقرة، حيث طلب الرئيس اللبناني مساعدة تركيا.
وبناءً على ذلك، رجح التقرير أن تؤدي أنقرة دوراً مهماً في الترتيبات الأمنية التي ستلي انسحاب القوة الدولية.
ولا يقتصر الاهتمام التركي بلبنان على الجانب الأمني، وفق التقرير، بل يمتد إلى ملف الطاقة في شرق البحر المتوسط، إذ إن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، وكذلك بين لبنان وسوريا، ستكون له انعكاسات على توزيع موارد الطاقة في المنطقة.
وأشار إلى أن ترسيم الحدود البحرية اللبنانية – القبرصية الذي أُنجز عام 2025 من دون التشاور مع تركيا أثار استياء أنقرة.
أيضاً، ناقش عون خلال زيارته الأخيرة ملف الكهرباء، حيث طُرح مساران: الأول يقوم على تزويد تركيا لبنان بالكهرباء عبر سوريا، والثاني يعتمد على كابل بحري يربط تركيا بالساحل السوري وصولاً إلى طرابلس. كذلك، أعربت أنقرة عن نيتها المساهمة في إعادة إعمار جنوب لبنان.
وتناول التقرير أيضاً خطط تركيا والسعودية لإحياء سكة حديد الحجاز الممتدة من السعودية إلى تركيا عبر الأردن وسوريا.
وأشار إلى أن لبنان أطلق في منتصف أيار مناقصة رسمية لتصميم وتطوير خط السكك الحديدية الممتد من طرابلس إلى العبودية في الشمال، بهدف ربط مرفأ طرابلس بشبكة النقل الإقليمية، بما فيها مسار سكة حديد الحجاز.
ومن شأن هذا المشروع، بحسب التقرير، أن يعيد طرابلس إلى خريطة النقل والتجارة الدولية، ويمنح شمال لبنان دوراً أكبر في شبكات الربط الإقليمي.
وخلص التقرير إلى أن الأشهر المقبلة مرشحة لأن تشهد حضوراً تركياً أكثر وضوحاً في لبنان، لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والاقتصادية والطاقة وإعادة الإعمار، في ظل إعادة رسم موازين القوى والترتيبات الإقليمية المحيطة بلبنان.











اترك ردك