فالحوار، في بلد كلبنان، ليس ترفًا سياسيًا، ولا يمكن الاستغناء عنه مهما بلغت الخلافات. لكن السؤال الجوهري هو: هل المقصود بالحوار التفاهم على كيفية إدارة الخلافات القائمة، أم التوصل إلى تسوية تعالج أصل المشكلة المتصلة بمرجعية القرار الوطني، وخصوصًا في ما يتعلق بالحرب والسلم والسلاح؟
فإذا كان “حزب الله” يريد فعلًا الحوار مع “جميع المكوّنات اللبنانية”، فإن الخطوة الأولى تتمثل في ترجمة هذا الاستعداد إلى مبادرة واضحة تجاه المؤسسات الدستورية، وفي مقدّمها رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، من دون شروط مسبقة تمنع الوصول إلى نتائج.
فلا يكفي أن يؤكد الحزب انفتاحه على الحوار، فيما تبقى القضايا الأكثر حساسية خارج البحث الفعلي، أو تُطرح على قاعدة أن بعض الخيارات محسوم سلفًا ولا يجوز المساس بها. الحوار الوطني الجدي لا يعني أن يتخلى أي طرف عن قناعاته قبل الجلوس إلى الطاولة، لكنه يعني أن يقبل بأن تكون النتيجة ثمرة تفاهم متبادل، لا مجرد محاولة لإقناع الآخرين بوجهة نظره.
وإذا كان الدستور يشكّل المرجعية التي يتحدث عنها قاسم، فإن الاحتكام إليه ينبغي أن يكون كاملًا، لا انتقائيًا. فالدولة ليست مجرد طرف من أطراف الحوار، ولا يمكن أن تبقى قراراتها السيادية خاضعة لموازين القوة بين القوى السياسية. إنها الإطار الذي يفترض أن تنتظم داخله الخلافات، وأن تُتخذ من خلال مؤسساته القرارات التي تطال مصير اللبنانيين جميعًا.
فلا يمكن فصل أي حوار وطني جدي عن مسألة السلاح ودور “حزب الله” العسكري. فهذه القضية ليست تفصيلًا تقنيًا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، بل ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وبحق اللبنانيين في أن يكون قرار الحرب والسلم خاضعًا لمرجعية وطنية واحدة.
ومن هنا، فإن ترجمة كلام قاسم تقتضي الاستعداد للبحث في استراتيجية دفاعية واضحة، تحدد دور الجيش، وآليات حماية الحدود، وكيفية التعامل مع التهديدات الإسرائيلية، وموقع القدرات العسكرية للحزب ضمن قرار الدولة. ولا يعني ذلك تجاهل استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، أو التقليل من المخاوف الأمنية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، بل يعني أن معالجة هذه المخاوف لا يمكن أن تبقى خارج إطار المؤسسات الشرعية.
وفي المقابل، تقع على الدولة مسؤولية إثبات قدرتها على حماية البلاد، وتعزيز إمكانات الجيش، ومواصلة الضغط السياسي والدبلوماسي من أجل الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وإعادة الأسرى وإعمار المناطق المتضررة. فلا يمكن مطالبة اللبنانيين بالاطمئنان إلى ترتيبات جديدة من دون ضمانات جدية، كما لا يمكن اتخاذ المخاطر الأمنية ذريعة دائمة لاستمرار تعدد مراكز القرار العسكري.
السيادة ليست شعارًا لفريق دون آخر
ولكن المفارقة أن جميع الأطراف اللبنانية تقريبًا ترفع شعارات السيادة والاستقلال وحماية لبنان، لكنها تختلف جذريًا في تفسيرها وفي الوسائل المؤدية إليها. فهناك من يرى أن استعادة السيادة تبدأ بحصرية السلاح والقرار العسكري بيد الدولة، وهناك من يعتبر أن استمرار التهديد الإسرائيلي يفرض الاحتفاظ بقدرات ردع خارج المؤسسة العسكرية.
غير أن الخروج من هذه الحلقة لا يكون بتبادل الاتهامات، ولا بفرض تسوية داخلية بالقوة، بل بالاتفاق على قاعدة واضحة، إذ لا يجوز أن يبقى مصير لبنان مرتبطًا بقرارات لا تشارك مؤسساته الدستورية في اتخاذها، كما لا يجوز أن يُترك البلد بلا خطة دفاعية واقعية وقابلة للتنفيذ.
ومن هنا، فإن الحوار الذي يدعو إليه قاسم يمكن أن يكتسب أهمية فعلية إذا أفضى إلى تفاهم يربط بين استعادة السيادة، وتعزيز الجيش، وإنهاء الاحتلال، وحماية المواطنين، ووضع القرار العسكري ضمن استراتيجية وطنية متفق عليها. أما إذا اقتصر على تبادل المواقف وتثبيت التوازنات القائمة، فلن يكون أكثر من محطة إضافية في مسار طويل من الحوارات التي لم تنجح في معالجة جوهر الأزمة.
هل يقبل الحزب بنتائج الحوار؟
السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو ما إذا كان “حزب الله” مستعدًا للقبول بنتائج أي حوار قد تقوده إلى مراجعة خياراته العسكرية، كما أن على بقية القوى السياسية أن تكون مستعدة لتحمل مسؤولياتها في تقديم ضمانات واقعية، والابتعاد عن منطق الإقصاء أو الانتقام السياسي.
فالحوار لا يكون جديًا إذا دخل إليه كل طرف وهو يعتقد أن المطلوب من الآخرين وحدهم تقديم التنازلات. ولا يمكن بناء تسوية مستدامة إذا ظل الاتفاق على المبادئ العامة يخفي خلافًا جوهريًا حول كيفية تطبيقها.












اترك ردك