كيف يمكن لسلام ترجمة الكلام الأميركي لبنانيًا؟

هل كانت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لنيويورك وواشنطن مجرد جولة دبلوماسية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو مجرد مناسبة للقاء عدد من قادة الدول والمسؤولين الدوليين؟ فسلام ذهب وفي حقيبته، مبدئيًا، ملف لبناني واحد تتفرع منه كل الملفات الأخرى بالنسبة إلى كيفية استعادة سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وكيفية تحويل الكلام الدولي عن دعم لبنان إلى خطوات فعلية على الأرض

ومن نيويورك إلى واشنطن، بدا واضحاً أن الرسالة التي تلقاها سلام من معظم الذين التقاهم لا تختلف في جوهرها، وإن اختلفت العبارات. فثمة دعم للبنان لا شك فيه، ولكن ثمة انتظار لخطوات لبنانية تثبت أن الدولة قادرة على الإمساك بقرارها الأمني والعسكري.
في نيويورك، لم يكن الكلام الدولي عن لبنان محصوراً بوقف الاعتداءات الإسرائيلية أو المساعدة في إعادة الإعمار. فالأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي أكد دعم الجامعة لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، ولانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وفي الوقت نفسه دعم جهود الدولة اللبنانية لبسط سلطتها وحصر السلاح بيدها. كما بحث سلام مع الجانب العربي ضرورة استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل”.
وفي اللقاء المصري، جاء الموقف في الاتجاه نفسه، أي دعم الدولة ومؤسساتها الوطنية، والتشديد على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وتمكين الجيش من القيام بمسؤولياته.
أما السعودية، فلم تكتفِ بتأكيد دعمها للبنان، بل دخل النقاش معها في صلب “الإطار الثلاثي”. فقد أطلع سلام وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على مسار هذا الإطار، مشدداً على ضرورة أن يقترن بجدول زمني واضح وآلية للتحقق من تنفيذ الالتزامات. وفي المقابل، ثمّن الوزير السعودي جهود الحكومة اللبنانية في الحفاظ على الدولة ومؤسساتها الوطنية.

حتى إسبانيا، التي يرتبط اسمها طويلاً بالجنوب وبـ “اليونيفيل”، ركزت في لقاء رئيس الحكومة بيدرو سانشيز على ضرورة تفادي الفراغ الدولي في الجنوب، ودعم الجيش وتعزيز قدراته، بالتوازي مع الإشادة بالإصلاحات اللبنانية.
وهكذا، يمكن اختصار ما سمعه سلام في نيويورك بمعادلة واحدة: المجتمع الدولي يريد لبنان دولة كاملة الأوصاف، لكنه يريد أن يرى الدولة تمارس سلطتها فعلاً.
وهذه الرسالة لم تكن مختلفة عندما وصل سلام إلى واشنطن.
اللقاء مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن كان المحطة الأكثر دلالة. فبدلاً من أن تكون المحادثات مجرد بحث في المساعدات أو الوضع الإقليمي، تمحورت حول المسار الذي يمكن أن يعيد للبنان سيادته الكاملة.
وبحسب ما أُعلن عن اللقاء، دعا سلام إلى تفعيل “الإطار الثلاثي” وتحويل مبادئه إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة، مع التشديد على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها. كما طالب بجدول زمني واضح وآلية ذات صدقية لمراقبة تنفيذ الالتزامات. لكن الأهم في لقاء روبيو هو ما سمعه سلام، لا ما قاله فقط.
فالرسالة الأميركية، كما تظهر في المواقف المعلنة والتغطيات التي رافقت الزيارة، أن واشنطن لا تريد أن يبقى “الإطار” عنواناً سياسياً من دون ترجمة. وهي تربط دعمها لاستعادة السيادة اللبنانية بقدرة الدولة على القيام بدورها، ولا سيما في ملف حصرية السلاح والحد من نفوذ “حزب الله.”
وهنا تحديداً تكمن حساسية المرحلة. فواشنطن لا تبدو مستعدة للتعامل مع الملف اللبناني باعتباره مجرد تفاوض على انسحاب إسرائيلي من الجنوب. في المقابل، لبنان يريد أن يجعل الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من عملية متبادلة ومتزامنة، بحيث لا يُطلب منه تنفيذ التزاماته فيما تبقى إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية.
وهذا هو جوهر ما حمله سلام إلى روبيو: لا يمكن أن يكون الإطار طريقاً باتجاه واحد. لكن في المقابل، لا يبدو أن الجانب الأميركي أعطى سلام شيكاً مفتوحاً على بياض. فالمطلوب لبنانياً هو انسحاب إسرائيلي، والمطلوب أميركياً هو أن تتحول قرارات الدولة اللبنانية المتعلقة بحصرية السلاح إلى واقع قابل للقياس والتحقق.
وبذلك يصبح “الوقت” عاملاً أساسياً في المرحلة المقبلة.
سلام عاد إذاً من نيويورك وواشنطن من دون إعلان عن صفقة مكتملة أو موعد نهائي للانسحاب الإسرائيلي، لكنه عاد ومعه شيء أكثر أهمية: صورة أوضح لما يريده المجتمع الدولي من لبنان وما ينتظره منه الأميركيون تحديداً.
المعادلة باتت شبه مكتملة بحيث أن إسرائيل مطالبة بالانسحاب، ولبنان مطالب ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح، والولايات المتحدة مطالبة باستخدام نفوذها لدفع الطرفين نحو تنفيذ الإطار، فيما يبقى الجيش في قلب أي ترتيبات مقبلة للجنوب.
لكن السؤال الذي سيبدأ من بيروت بعد عودة سلام ليس ماذا قال له الأميركيون والعرب والأوروبيون، بل ماذا سيفعل لبنان بد كل ما سمعه؟
فالدعم الدولي الذي حصل عليه سلام في نيويورك مهم، واللقاء مع روبيو كان مهماً أيضًا، لكن المرحلة المقبلة لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا ببيانات التأييد. ستُقاس بما إذا كان لبنان قادراً على الانتقال من مرحلة تثبيت مبدأ سيادة الدولة نظريًا إلى مرحلة تنفيذ هذا المبدأ عمليًا.