التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقول إنَّ الصواريخ التي تعبر الآن سماء إيران وإسرائيل ليست مجرد أسلحة، بل هي إشارات إلى تحول تاريخي أعمق يتكشف في كل أنحاء الشرق الأوسط، وأضاف: “بعد مرور أكثر من أربعة عقود على تحويل الثورة الإسلامية إيران إلى مركز مشروع أيديولوجي ثوري، بدأت تظهر على النظام السياسي الذي انبثق عام 1979 علامات الإرهاق. إن المواجهة الدائرة الآن بين طهران والقدس ليست مجرد أزمة إقليمية أخرى، بل هي اختبار لقدرة نظام قائم على المقاومة الدائمة، والحرب بالوكالة، وعدم الاستقرار المُدار، على الصمود في وجه الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة”.
وتابع: “لعقود، تعامل صناع السياسة الأميركيون مع إيران في المقام الأول باعتبارها تحدياً نووياً، إلا أن معظم دول الشرق الأوسط باتت تنظر إلى الجمهورية الإسلامية نظرة مختلفة، إذ لا تراها دولة تقليدية تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية العادية، بل كنظام ثوري تستند شرعيته إلى المواجهة نفسها، وقد أبرزت أحداث الأيام الأخيرة هذا التمييز بشكل جليّ”.
وأكمل: “يُشكّل هذا التمييز الآن جوهر المعضلة الاستراتيجية للمنطقة، لأن المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران لا تقتصر في جوهرها على أجهزة الطرد المركزي، أو تخفيف العقوبات، أو مستويات التخصيب فحسب. فخلف هذا التنسيق الدبلوماسي، يكمن صراع أعمق بكثير حول ميزان القوى المستقبلي في الشرق الأوسط نفسه، وحول ما إذا كان بإمكان المنطقة في نهاية المطاف أن تتجه نحو نظام مستقر لدول ذات سيادة، في حين يستمر النموذج الثوري الذي وُلد عام 1979 في تشكيل المشهد الاستراتيجي من مركزه”.
وأضاف: “قبل قرن من الزمان، برزت إيران الحديثة في عهد رضا شاه بهلوي كمشروع لإعادة بناء الدولة بعد أجيال من التفكك الأسري والتدخل الأجنبي والضعف المؤسسي. في المقابل، سعت الدولة الإيرانية الحديثة إلى إعادة بناء سلطة مركزية، واستمرارية وطنية، وتماسك جيوسياسي في منطقة تتشكل بشكل متزايد بفعل انهيار الإمبراطوريات وصعود الحركات الأيديولوجية. في عهد كل من رضا شاه بهلوي ومحمد رضا شاه، تطورت إيران تدريجياً لتصبح إحدى الركائز الأساسية لنظام إقليمي يمكن التنبؤ به نسبياً، إلى جانب المملكة العربية السعودية وغيرها من الفاعلين الإقليميين الرئيسيين. مع ذلك، ظل الدين مُؤثراً بعمق في المجتمع، لكنه لم يصبح بعد المبدأ المنظم للصراع الجيوسياسي أو اللغة الأساسية لبسط النفوذ الإقليمي”.
وأكمل: “انهار هذا التوازن مع الثورة الإسلامية عام 1979، التي لم تُغير بنية السلطة داخل إيران فحسب، بل غيرت أيضاً الفلسفة التي قامت عليها الدولة الإيرانية تاريخياً. لم تعد الشرعية السياسية متجذرة في السيادة الوطنية أو الاستمرارية التاريخية أو كيان الدولة المؤسسي، بل أصبحت مرتبطة بالعقيدة الثورية والتعبئة الأيديولوجية العابرة للحدود. في الوقت نفسه، توقفت إيران عن التصرف كدولة قومية تقليدية، وتطورت تدريجياً إلى بنية ثيوقراطية ثورية تُمارس نفوذها في المنطقة عبر شبكات تعمل خارج إطار العلاقات التقليدية بين الدول”.
وأضاف التقرير: “بدلاً من الاعتماد كلياً على التوسع العسكري التقليدي، شيدت طهران بنية نفوذ غير متكافئة، بُنيت عبر ميليشيات وكيلة، وحركات أيديولوجية، وردع صاروخي، وعمليات إلكترونية، وحرب طائرات من دون طيار، وعناصر مسلحة غير حكومية تعمل في مسارح عمليات متعددة في آن واحد. أيضاً، أصبح حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والجماعات الشيعية في العراق، والحوثيون في اليمن، عناصر في استراتيجية إقليمية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ الإيراني مع تجنب المخاطر المرتبطة بالمواجهة التقليدية المباشرة”.
وذكر التقرير أنَّ “هذا التحول أحدث تغييراً جذرياً في حسابات الأمن في الخليج والعالم العربي عموماً”، وتابع: “لم يعد يُنظر إلى التهديد الذي يواجه دول المنطقة على أنه مجرد غزو إقليمي أو عدوان عسكري تقليدي، بل بات يُنظر إليه على أنه تآكل تدريجي للسيادة من خلال التغلغل الأيديولوجي، والشبكات شبه العسكرية، والتشرذم السياسي، والترهيب الاستراتيجي. كذلك، أصبح الأمن البحري، والبنية التحتية للطاقة، والاستقرار السياسي الداخلي، وطرق التجارة الإقليمية، نقاط ضعف مترابطة ضمن صراع جيوسياسي متسع، مما أدى إلى طمس التمييز بين الصراعات الحكومية وغير الحكومية”.
واعتبر التقرير أنَّ “النظام الإيراني تطوّر إلى نظامٍ يُصدّر أزماته الداخلية تدريجياً إلى الخارج”، وأضاف: “في الوقت نفسه، فإنه كثيراً ما تزامنت فترات عدم الاستقرار الداخلي في إيران مع تصاعد التوترات الإقليمية في الخارج، مما خلق بنية سياسية أصبح فيها تصدير المواجهة جزءاً لا يتجزأ من الحفاظ على النظام نفسه”.
وتابع: “لسنوات، قلّل العديد من صانعي السياسات الغربيين من شأن الطبيعة الهيكلية لهذا التحول. فحتى بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 والحرب العالمية الأوسع نطاقاً على الإرهاب، استمرت واشنطن في كثير من الأحيان في التعامل مع طهران بشكل أساسي من خلال الإطار الضيق للدبلوماسية النووية، بينما كانت المنطقة نفسها تواجه بالفعل أزمة أوسع بكثير مدفوعة بالميليشيات والتطرف الأيديولوجي والحرب بالوكالة وانهيار سلطة الدولة وتطبيع الصراع غير المتكافئ كواقع إقليمي”.
ويقول التقرير إنَّ “هجمات السابع من تشرين الأول حطّمت ما تبقى من وهم قدرة الشرق الأوسط على استيعاب المواجهة الأيديولوجية غير المحسومة إلى أجل غير مسمى دون مواجهة زعزعة استقرار منهجية في نهاية المطاف”، وأكمل: “أيضاً، أظهرت الحرب التي تلت ذلك مدى سرعة تطور الصراعات المحلية إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات تشمل حرب الصواريخ وتعطيل الملاحة البحرية والهجمات على خطوط الشحن وانعدام أمن الطاقة والتصعيد السيبراني وتزايد عدم الاستقرار الممتد من غزة إلى خليج عُمان”.
واستكمل: “في هذا السياق الجيوسياسي الأوسع، يجب فهم المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، ويبدو أن احتمال التوصل إلى شكل من أشكال التفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران اليوم أكبر من احتمال الانهيار الدبلوماسي التام. ومع ذلك، فإن ما يتبلور لا يشبه بأي حال من الأحوال تسوية سلام تاريخية أو حلاً استراتيجياً دائماً، بل إن ما يتشكل هو جهد مشترك لاحتواء تداعيات المواجهة مع تأجيل مخاطر تصعيد إقليمي أشد خطورة”.
وتابع: “لم تعد واشنطن تعمل انطلاقاً من افتراض أن الضغط الأقصى وحده كفيل بإخضاع إيران استسلاماً تاماً، إذ فرضت التداعيات الاقتصادية لعدم الاستقرار المطوّل، ولا سيما اضطرابات أسواق الطاقة والتجارة البحرية، قيوداً عملية على التصعيد. في غضون ذلك، تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على الصمود بدلاً من المصالحة. أيضاً، تهدف قيادة النظام إلى إثبات قدرة الجمهورية الإسلامية على استيعاب الضغوط العسكرية والاقتصادية دون التخلي عن أسس مكانتها الإقليمية أو الظهور بمظهر المهزوم سياسياً”.
وتابع التقرير: “لهذا السبب، يمكن وصف الوضع الراهن بأنه مأزق استراتيجي. تُدرك طهران بشكل متزايد أن الوقت والصبر يُرجّحان بقاء النظام، بينما لا تزال واشنطن مُقيّدة بالتكاليف السياسية والاقتصادية لمواجهة أخرى طويلة الأمد في الشرق الأوسط. أيضاً، لا يبدو أي من الطرفين راغباً في التصعيد الكامل، ومع ذلك، لا يمتلك أي منهما المرونة الاستراتيجية اللازمة لحل النزاع الأساسي نفسه”.
وتابع: “نتيجة لذلك، تبقى الخلافات الجوهرية دون تغيير جوهري، فطموحات إيران النووية، وقدراتها الصاروخية والمُسيّرة، وشبكاتها بالوكالة، وبنية الأمن المستقبلية للخليج، كلها مسائل عالقة وليست حقائق مُستقرة. لذا، فإن ما يُرجّح ظهوره ليس اتفاق سلام شامل، بل إطار عمل مُطوّل من المواجهة المُدارة، مصمم ليس لإنهاء النزاع بقدر ما هو لتنظيم حدّته وتأجيل مرحلته التالية”.
وأكمل التقرير: “بالنسبة لدول الخليج العربي، أدى هذا الواقع بالفعل إلى إعادة تقييم استراتيجي عميق. تُدرك السعودية والإمارات والبحرين وقطر القيمة المباشرة لخفض التصعيد وضرورة تجنب حرب إقليمية أوسع نطاقًا قادرة على تهديد تدفقات الطاقة وخطوط الملاحة وأسواق الاستثمار والبنية التحتية الحيوية. ومع ذلك، يتزايد الإدراك في كل أنحاء الخليج العربي بأن الاتفاقيات التي تُجمّد الأزمات فحسب دون معالجة أسبابها الهيكلية قد تُرسّخ عدم الاستقرار بدلًا من القضاء عليه. ونتيجة لذلك، يتبنى الخليج العربي بشكل متزايد استراتيجية مزدوجة المسار تجمع بين الردع العسكري والتنويع الاقتصادي والتطوير التكنولوجي ومرونة دبلوماسية أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على حالة عدم اليقين الناجمة عن المواجهة الأميركية الإيرانية”.
وتابع: “مع ذلك، لا تزال المعضلة البنيوية الأعمق قائمة دون حل، إذ يكافح نظام سياسي، بُنيت شرعيته على المقاومة الدائمة والمواجهة الثورية، للتحول إلى دولة تقليدية قادرة على التعايش المستقر ضمن نظام إقليمي تقليدي. قد تُنظّم الاتفاقيات الدبلوماسية السلوك مؤقتاً، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير المنطق الداخلي لنظام استمد شرعيته منذ زمن طويل من المواجهة نفسها. ولذلك، فإن الشرق الأوسط لا يتجه نحو سلام شامل ولا نحو حرب حاسمة، بل يدخل مرحلة تاريخية مطولة تتسم بالغموض الاستراتيجي، وعدم الاستقرار المُدار، والمواجهات المتكررة، والترتيبات المؤقتة المصممة لإدارة الأزمات لا لحلها”.
وختم: “لم تعد المنطقة تواجه مجرد تبعات صراع آخر مع إيران، بل تواجه استنزاف نظام إقليمي برمته وُلد عام 1979، نظام حوّل الثورة إلى سياسة خارجية، وجعل المواجهة مبدأً حاكماً، وحوّل عدم الاستقرار إلى آلية للبقاء. وفعلياً، قد يُحدد تجاوز الشرق الأوسط لهذا النموذج في نهاية المطاف ليس فقط مستقبل إيران، بل استقرار المنطقة ككل”.












اترك ردك