مما لا شكّ فيه أن قيادة “حزب الله” حين قرّرت أن تربط مصيرها، ومعها مصير لبنان، بمصير النظام الإيراني، من خلال إطلاق ستة صواريخ “ثأرًا” لاغتيال المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، كانت تدرك تمام الادراك أن نتيجة هذا القرار الأحادي ستكون مكلفة وباهظة الثمن على “البيئة الحاضنة” أولًا، وعلى كل لبنان ثانيًا. إلا أن هذا الادراك لحجم ما يمكن أن ترتكبه إسرائيل من بشاعات بحجة “الدفاع عن أمنها الشمالي” لم يثنِ هذه القيادة عن اتخاذ قرار يصفه كثيرون بأنه كان متسرّعًا بعض الشيء، حتى أن هذا القرار، وفق ما يتمّ تداوله في الأوساط الحزبية الضيقة، خضع لكثير من الأخذ والردّ والنقاش الحاد داخل مركزية القرار في “حارة حريك”، حيث أفيد أن الآراء كانت منقسمة بين مؤيد لعملية الردّ وبين معارض لها، خصوصًا أن المعترضين على الردّ بهذا الشكل وفي هذا التوقيت نبهوا الآخرين بأن نتيجة هذا القرار ستكون وخيمة على كل المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
إلاّ أن الرأي السائد كان مؤيدًا لتوجيه ضربة تحذيرية لإسرائيل، وذلك انطلاقًا من مبدأ إثبات الوجود، وتحت عنوان عريض يُختصر بهذه الرؤية التي تحكم سلوك “الحزب” والقائمة على قاعدة واضحة، وهي “أن نصمد معًا أو نخسر معًا”. فهذه القاعدة فرضت على القيادة الحزبية الانخراط في حرب أكبر من قدراتها عمليًا. وهذا ما اعترف به الأمين العام لـ “الحزب” الشيخ نعيم قاسم عندما تحدّث في آخر خطاب له عن عدم توازن في ميزان القوى مع اسرائيل. وهذا ما أثبتته نتائج حرب اسناد غزة وتوحيد الساحات، والتي انتهت ولم تنتهِ في الوقت نفسه، إلى اتفاق لم يكن لمصلحة لا “حزب الله” ولا لبنان. فـ “حارة حريك”، التي ربطت مصيرها بمصير طهران، تدرك أن أي تهديد وجودي لطهران سيقابله تهديد كياني لـ “الحزب”. ويرجّح البعض بأن يكون وراء ترجيح كفة الردّ مسؤولون في “الحرس الثوري الإيراني”، الذين كانوا حاضرين النقاش الداخلي للدائرة الصغرى في مركزية القرار الحزبي.
ما لدى القيادتين السياسية والعسكرية لـ “حزب الله” من معلومات تفيد بأن إسرائيل، التي كانت تحضّر لـ “عمل كبير” في لبنان، لن تكتفي بقصف مدّمر وشامل وممنهج لبلدات وقرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بل ستصل إلى أبعد من ذلك بكثير في سيناريو قد يكون شبيهًا بسيناريو العام 1982.
وفي التحليلات المتتالية فإنه بمجرد صدور تهديد إسرائيلي بإخلاء الضاحية الجنوبية هامَ الساكنون فيها على وجوههم في الطرقات بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، وهذا الأمر له دلالات كثيرة في رأي أكثر من خبير عسكري وسوسيولوجي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الانزال الإسرائيلي في بلدة النبي شيت، وما يدور من أسئلة لا يزال الجواب عنها غير متوافر، حول هذا الانزال وطريقة تنفيذ العملية وانتقال العناصر من مكان الانزال بالطوافات الأربع إلى جبانة آل شكر في البلدة، والتي تبعد عن مكان الانزال 14 كيلومترًا. إلاّ أنه يبدو أن لهذا الانزال أكثر من هدف، وهو استكشاف بعض الترسانات التابعة لـ “حزب الله”، والتي لا يمكن للطائرات الإسرائيلية الوصول إليها لتدميرها.
ولا يُستبعد بأن تتوسع رقعة الإنذارات الإسرائيلية لتمتدّ إلى بلدات بقاعية خلال المرحلة المقبلة، في إطار استراتيجية تقوم على الضغط على البيئة الحاضنة لـ “الحزب” ومحاولة تفكيك بنيته اللوجستية والبشرية. ويكتسب البقاع في هذا السياق أهمية خاصة، ليس فقط بسبب وجود مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بـ “حزب اللّه”، بل أيضًا لأنه يشكّل خزانًا شعبيًا أساسيًا لـ “الحزب” وثقلًا اجتماعيًا وسياسيًا له. لذلك، فإن إدخال القرى البقاعية في دائرة الضربات يحمل أبعادًا ترتبط بالبعد العسكري المباشر لما هو آت كمرحلة ثانية قد تبدأ من حاصبيا لتشمل الجنوب والبقاع من بوابته الغربية.
ونتيجة هذا القرار الحزبي الموحى به من طهران بالدخول مباشرة في الحرب مع إسرائيل، التي أثبتت الاحداث تفوقها الحربي والتكنولوجي، يسأل السائلون، وهم كثر اليوم من داخل “البيئة الحاضنة” ومن خارج هذه الدائرة عن الاثمان الباهظة، التي سيدفعها لبنان، وهل يمكن أن تكون أقل من اتفاق الهدنة، الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى اتفاق غير متكافئ الفرص بين بيروت وتل أبيب.
لكن ما بدأ يتكشّف على الأرض يوحي بأن الثمن لن يكون عسكريًا فحسب، بل سيكون سياسيًا واستراتيجيًا أيضًا. فالحروب التي تُخاض تحت شعار “وحدة الساحات” قد تنتهي في لحظة ما إلى واقع مختلف تمامًا، حيث يجد لبنان نفسه أمام ترتيبات جديدة قد تُفرض عليه تحت ضغط النار والدمار والنزوح. وعندها لن يكون السؤال من انتصر ومن خسر، بل من دفع الثمن الأكبر.
والثابت حتى الآن أن اللبنانيين هم الذين يدفعون هذا الثمن يومًا بعد يوم، من قراهم المدمّرة، ومن مدنهم الخالية من أهلها، ومن اقتصاد يترنّح وينازع، وفي ظلّ دولة مكبلة الأيدي. وفي مثل هذا الواقع يصبح الخوف الأكبر ألا ينتهي هذا المسار باتفاق هدنة جديد فحسب، بل بوقائع سياسية وأمنية قد ترسم مستقبل لبنان لسنوات طويلة.
فالحروب قد تبدأ بقرار آحادي، لكنها غالبًا ما تنتهي بقرارات يفرضها الأقوى. وعندما تحين تلك اللحظة، سيكتشف اللبنانيون أن الثمن الذي دُفع لم يكن ثمن معركة فقط، بل ثمن حرب لم يسعَ إليها لبنان أصلًا. (للبحث صلة)
إلاّ أن الرأي السائد كان مؤيدًا لتوجيه ضربة تحذيرية لإسرائيل، وذلك انطلاقًا من مبدأ إثبات الوجود، وتحت عنوان عريض يُختصر بهذه الرؤية التي تحكم سلوك “الحزب” والقائمة على قاعدة واضحة، وهي “أن نصمد معًا أو نخسر معًا”. فهذه القاعدة فرضت على القيادة الحزبية الانخراط في حرب أكبر من قدراتها عمليًا. وهذا ما اعترف به الأمين العام لـ “الحزب” الشيخ نعيم قاسم عندما تحدّث في آخر خطاب له عن عدم توازن في ميزان القوى مع اسرائيل. وهذا ما أثبتته نتائج حرب اسناد غزة وتوحيد الساحات، والتي انتهت ولم تنتهِ في الوقت نفسه، إلى اتفاق لم يكن لمصلحة لا “حزب الله” ولا لبنان. فـ “حارة حريك”، التي ربطت مصيرها بمصير طهران، تدرك أن أي تهديد وجودي لطهران سيقابله تهديد كياني لـ “الحزب”. ويرجّح البعض بأن يكون وراء ترجيح كفة الردّ مسؤولون في “الحرس الثوري الإيراني”، الذين كانوا حاضرين النقاش الداخلي للدائرة الصغرى في مركزية القرار الحزبي.
ما لدى القيادتين السياسية والعسكرية لـ “حزب الله” من معلومات تفيد بأن إسرائيل، التي كانت تحضّر لـ “عمل كبير” في لبنان، لن تكتفي بقصف مدّمر وشامل وممنهج لبلدات وقرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بل ستصل إلى أبعد من ذلك بكثير في سيناريو قد يكون شبيهًا بسيناريو العام 1982.
وفي التحليلات المتتالية فإنه بمجرد صدور تهديد إسرائيلي بإخلاء الضاحية الجنوبية هامَ الساكنون فيها على وجوههم في الطرقات بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، وهذا الأمر له دلالات كثيرة في رأي أكثر من خبير عسكري وسوسيولوجي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الانزال الإسرائيلي في بلدة النبي شيت، وما يدور من أسئلة لا يزال الجواب عنها غير متوافر، حول هذا الانزال وطريقة تنفيذ العملية وانتقال العناصر من مكان الانزال بالطوافات الأربع إلى جبانة آل شكر في البلدة، والتي تبعد عن مكان الانزال 14 كيلومترًا. إلاّ أنه يبدو أن لهذا الانزال أكثر من هدف، وهو استكشاف بعض الترسانات التابعة لـ “حزب الله”، والتي لا يمكن للطائرات الإسرائيلية الوصول إليها لتدميرها.
ولا يُستبعد بأن تتوسع رقعة الإنذارات الإسرائيلية لتمتدّ إلى بلدات بقاعية خلال المرحلة المقبلة، في إطار استراتيجية تقوم على الضغط على البيئة الحاضنة لـ “الحزب” ومحاولة تفكيك بنيته اللوجستية والبشرية. ويكتسب البقاع في هذا السياق أهمية خاصة، ليس فقط بسبب وجود مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بـ “حزب اللّه”، بل أيضًا لأنه يشكّل خزانًا شعبيًا أساسيًا لـ “الحزب” وثقلًا اجتماعيًا وسياسيًا له. لذلك، فإن إدخال القرى البقاعية في دائرة الضربات يحمل أبعادًا ترتبط بالبعد العسكري المباشر لما هو آت كمرحلة ثانية قد تبدأ من حاصبيا لتشمل الجنوب والبقاع من بوابته الغربية.
ونتيجة هذا القرار الحزبي الموحى به من طهران بالدخول مباشرة في الحرب مع إسرائيل، التي أثبتت الاحداث تفوقها الحربي والتكنولوجي، يسأل السائلون، وهم كثر اليوم من داخل “البيئة الحاضنة” ومن خارج هذه الدائرة عن الاثمان الباهظة، التي سيدفعها لبنان، وهل يمكن أن تكون أقل من اتفاق الهدنة، الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى اتفاق غير متكافئ الفرص بين بيروت وتل أبيب.
لكن ما بدأ يتكشّف على الأرض يوحي بأن الثمن لن يكون عسكريًا فحسب، بل سيكون سياسيًا واستراتيجيًا أيضًا. فالحروب التي تُخاض تحت شعار “وحدة الساحات” قد تنتهي في لحظة ما إلى واقع مختلف تمامًا، حيث يجد لبنان نفسه أمام ترتيبات جديدة قد تُفرض عليه تحت ضغط النار والدمار والنزوح. وعندها لن يكون السؤال من انتصر ومن خسر، بل من دفع الثمن الأكبر.
والثابت حتى الآن أن اللبنانيين هم الذين يدفعون هذا الثمن يومًا بعد يوم، من قراهم المدمّرة، ومن مدنهم الخالية من أهلها، ومن اقتصاد يترنّح وينازع، وفي ظلّ دولة مكبلة الأيدي. وفي مثل هذا الواقع يصبح الخوف الأكبر ألا ينتهي هذا المسار باتفاق هدنة جديد فحسب، بل بوقائع سياسية وأمنية قد ترسم مستقبل لبنان لسنوات طويلة.
فالحروب قد تبدأ بقرار آحادي، لكنها غالبًا ما تنتهي بقرارات يفرضها الأقوى. وعندما تحين تلك اللحظة، سيكتشف اللبنانيون أن الثمن الذي دُفع لم يكن ثمن معركة فقط، بل ثمن حرب لم يسعَ إليها لبنان أصلًا. (للبحث صلة)











اترك ردك