وتشير مصادر سياسية الى ان تأجيل الاجتماع العسكري الافتراضي بين لبنان وإسرائيل لم يكن، وفق المعطيات، مسألة تقنية مرتبطة بفارق التوقيت، بل نتيجة خلاف جوهري حول جوهر المرحلة التجريبية لتنفيذ الاتفاق. فقد رفض الجيش أن تشمل الخطة بلدات لا تخضع للاحتلال المباشر، معتبراً أن ذلك يمنح إسرائيل فرصة لتسويق “انسحاب شكلي” من مناطق ينتشر فيها الجيش أساساً، فيما يبقى الاحتلال قائماً في المواقع والتلال الاستراتيجية التي تمسك بها القوات الإسرائيلية.
في المقابل، أفادت مصادر مطلعة بأن التأجيل جاء بطلب من الجانب الأميركي، الذي أبلغ الأطراف أن الأمر يعود إلى الحاجة إلى استكمال إعداد الملفات التقنية والخطط التطبيقية والإجراءات التنفيذية، من دون تحديد موعد جديد للاجتماع. إلا أن المصادر رجحت أن يعقد الاجتماع خلال زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر الذي يصل إلى بيروت في 23 تموز الحالي، وكان قد التقى نهاية الشهر الماضي كلاً من رئيس الجمهورية جوزيف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل.
وربطت مصادر عسكرية التأجيل بالنوايا الإسرائيلية، وأكدت أن موعداً رسمياً لم يكن قد حدد أساساً للاجتماع التقني، وأن ما أثير حول تأجيله يرتبط بأسباب تقنية وعملانية تتصل باستكمال التحضيرات التنفيذية. لكنها رأت أن المشهد الميداني يعكس في الوقت نفسه حسابات إسرائيلية تتجاوز الجوانب التقنية، لافتة إلى أن «إسرائيل تواصل عمليات التدمير الممنهج في القرى الحدودية، فيما يبدو، محاولة لاستكمال أهدافها الميدانية قبل الالتزام بأي اتفاق للتنفيذ».
ولفتت المصادر «إلى أن إسرائيل، التي لا تزال ترفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية، تحاول حصر الحديث عن المناطق التجريبية في مناطق غير خاضعة لاحتلالها أساساً، في حين يمارس الجانب الأميركي ضغوطاً عليها للبدء بتنفيذ الاتفاق من خلال الانسحاب من المناطق التي تحتلها». واعتبرت المصادر أن هذا التباين يفسر محاولات تل أبيب كسب المزيد من الوقت والمماطلة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
وكان الجيش عزز في الساعات الماضية حضوره الميداني في البلدات المقترحة، عبر دوريات وحواجز ثابتة ومتحركة، في رسالة واضحة بأن هذه المناطق تقع ضمن سلطة الدولة اللبنانية، وأن أي اختبار حقيقي لجدية إسرائيل يجب أن يبدأ من الأراضي المحتلة فعلياً، بما يسمح بعودة الأهالي وإنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
في المقابل، لا تخفي إسرائيل نياتها. فالتصريحات الصادرة عن وزير الأمن يسرائيل كاتس، والتي تؤكد الإبقاء على القوات الإسرائيلية في “المناطق الأمنية” داخل لبنان، تتزامن مع إنشاء مواقع عسكرية دائمة واستمرار عمليات القصف والتفجير. وهذا يعني، بحسب قراءة عسكرية، أن تل أبيب لا تنظر إلى المنطقة الحدودية كملف تفاوضي مؤقت، بل كحزام أمني تسعى إلى تثبيته، مع إسناد مهمة ضبط الحدود إلى الجيش اللبناني من دون استعادة السيادة الكاملة.
وفي الوقت نفسه، يفتح اقتراب انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل” نهاية العام الحالي باباً واسعاً أمام إعادة رسم المشهد الأمني في الجنوب. واقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول تفويض قوة من الاتحاد الأوروبي في لبنان لتحل محل بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي ينتهي تفويضها قريبا لمنع أي فراغ أمني بحسب وكالة “رويترز”.
أما الأمم المتحدة، فتواصل التأكيد أن تنفيذ القرار 1701 يبدأ بوقف الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وتمكين الدولة من بسط سلطتها الكاملة عبر الجيش اللبناني. ففي إحاطته امام مجلس الأمن الدولي، وجدّد القائم بأعمال مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، جان أرنو تأكيد التزام الأمم المتحدة بدعم تنفيذ القرار 1701، ومواصلة مساندتها لأمن لبنان واستقراره ووحدة أراضيه وتعافيه، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي أعقبت التصعيد الأخير والمخاوف المرتبطة بالأوضاع في جنوب لبنان.
لبنان يراهن على واشنطن لإحباط مشروع الشريط الأمني..إنتشار الجيش يفضح مناورة اسرائيل في مفاوضات الانسحاب

تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، حيث يعول لبنان على الحصول على التزام أميركي واضح بإلزام إسرائيل تنفيذ الانسحاب الكامل مقابل استكمال انتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي الجنوبية. إلا أن نجاح هذا الرهان يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الإدارة الأميركية للانتقال من دور الوسيط إلى دور الضامن. فإسرائيل تتعامل مع أي مسار تفاوضي بوصفه وسيلة لإدارة الوقت أكثر منه طريقاً لإنهاء الاحتلال. فبينما تتحدث عن ترتيبات أمنية وانتشار للجيش اللبناني، تواصل تثبيت وجودها العسكري في الجنوب، وتكثف عمليات القصف والتدمير، بما يعكس استراتيجية تقوم على فرض الوقائع الميدانية قبل أي تسوية سياسية. وفي المقابل، يحاول لبنان انتزاع ضمانات أميركية تحول دون تكريس منطقة أمنية دائمة تتحكم بها إسرائيل على طول الحدود.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0









اترك ردك