لكن، في السياسة، لا تُقرأ المواقف بمعزل عن أهدافها، ولا سيما عندما تصدر في لقاء على هذا المستوى.
فالعماد عون يدرك أن أي مشروع داخلي، سواء أكان متعلقًا بالإصلاحات أو بالاستحقاقات السيادية أو بتنفيذ التفاهمات الأمنية، لا يمكن أن ينجح من دون الحد الأدنى من التوافق بين الرئاسات الثلاث. ومن هذا المنطلق، فإن الإشادة ببري لا تبدو تناقضًا مع مواقف سابقة، بقدر ما تعكس محاولة لتأكيد أن الدولة اللبنانية لا تزال قادرة على إنتاج شراكة بين مؤسساتها، على رغم التباينات السياسية.
ومن جهة أخرى، يعرف رئيس الجمهورية أن واشنطن تنظر إلى رئيس مجلس النواب بوصفه أحد أبرز اللاعبين على الساحة اللبنانية، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالجنوب، وبالتفاهمات التي رعتها الولايات المتحدة في مراحل مختلفة. وبالتالي، فإن تقديم صورة عن وجود تواصل وتعاون بين بعبدا وعين التينة يبعث برسالة مفادها أن السلطة اللبنانية ليست منقسمة على نفسها في كل الملفات.
وثمة من يقرأ الإشادة أيضًا في إطار محاولة سحب الملف اللبناني من منطق الانقسام التقليدي بين مؤيدي بري ومعارضيه، وتقديمه كشريك دستوري لا يمكن تجاوز موقعه في أي تسوية داخلية أو استحقاق وطني. فالرئيس عون، بحكم موقعه، معني بإدارة العلاقة مع جميع القوى الدستورية، لا بإدارة الاصطفافات السياسية.
ولا يمكن إغفال البعد العملي. فإذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد نقاشات حول تنفيذ تفاهمات أمنية، أو إقرار قوانين إصلاحية، أو استكمال ملفات مالية واقتصادية، فإن رئيس الجمهورية يحتاج إلى تعاون مجلس النواب ورئيسه لضمان مرور هذه الاستحقاقات. ومن هنا، فإن الحفاظ على قنوات التواصل مع بري يصبح جزءًا من إدارة الدولة، وليس مجرد خيار سياسي.
لكن ذلك لا يعني أن الخلافات السابقة قد انتهت، أو أن المقاربات أصبحت متطابقة. فلكل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب رؤيته لبعض الملفات الحساسة، إلا أن إدارة هذه الاختلافات ضمن المؤسسات قد تكون، في نظر الرئاسة، أكثر جدوى من تحويلها إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
لذلك، فإن الإشادة ببري أمام ترامب يمكن فهمها على أنها رسالة مزدوجة إلى الخارج، وهي أن الدولة اللبنانية قادرة على التحدث بصوت مؤسساتها الدستورية، وإلى الداخل، بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الحد الأدنى من التفاهم بين الرئاسات، إذا كان لبنان يريد الاستفادة من أي دعم دولي أو عبور الاستحقاقات المقبلة بأقل قدر من الانقسام.
وربما أراد الرئيس عون أن يقول للإدارة الأميركية إن نجاح أي مبادرة تجاه لبنان لن يتحقق بالرهان على طرف واحد، بل بالتعامل مع الواقع الدستوري والسياسي كما هو، حيث يبقى رئيس مجلس النواب شريكًا أساسيًا في صناعة القرار، مهما بلغت حدة الخلافات أو تباين المواقف.












اترك ردك