ففي الجنوب، حيث تختلط خطوط التماس بالحدود السياسية، لا يبدو أن أي هدنة مرتقبة ستكون كافية لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل حرب اسناد غزة في 8 تشرين الأول من العام 2023. فالمشهد تغيّر، والوقائع التي فرضتها الحرب الأخيرة، سواء على مستوى الانتشار العسكري أو حجم الدمار أو طبيعة التوازنات، تجعل من سؤال عن “اليوم التالي” أكثر إلحاحًا وأكثر واقعية من أي وقت مضى.
إن الرهان الأول سيكون حتمًا في عهدة الدولة اللبنانية، وتحديدًا في عهدة الجيش، باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة القادرة، ولو نظريًا، على بسط السيادة اللبنانية على كامل الأراضي. غير أن هذا الرهان يصطدم بواقعين: الأول سياسي، يتعلّق بغياب قرار داخلي حاسم يضع حدًا لازدواجية السلاح؛ والثاني عملي، يرتبط بقدرات الجيش اللوجستية والمالية في ظل أزمة اقتصادية خانقة. من هنا، يصبح الحديث عن انتشار كامل وفعّال للجيش أقرب إلى التمنّي منه إلى الخطة القابلة للتنفيذ، ما لم يترافق مع دعم دولي وعربي واضح.
أما على المستوى الدولي، فيبرز دور قوات “اليونيفيل” التي قد تُطرح مجددًا كعنصر توازن، مع أن مهمتها قد شارفت على الانتهاء بعد سنوات طويلة على وجودها في الجنوب. إلاّ أن التجارب السابقة تُظهر أن هذه القوات، على رغم أهميتها، تبقى محدودة التأثير ما لم تُعطَ صلاحيات أوسع أو تُدعَم بقرار سياسي دولي حازم. وبالتالي، فإن الرهان عليها وحدها لملء الفراغ يبدو غير كافٍ، ما لم يتكامل مع دور الدولة اللبنانية وإرادة داخلية واضحة. هذا إذا سلّمنا جدلًا أن “اليونيفيل” باقية حيث هي، وبالتالي تم التراجع عن قرار إنهاء مهمتها.
فالفراغ الذي قد تخلّفه الحرب لا يبدو أن ملاءه سيكون بهذه السهولة، التي يروّج لها البعض، خصوصًا أن أي طرف غير قادر وحده على ضبط إيقاع المرحلة المقبلة. فلبنان يقف أمام مفترق حاسم: إما أن تنجح الدولة، بدعم عربي ودولي، في فرض حضورها واستعادة سيادتها، وإما أن يبقى الجنوب رهينة توازنات هشة، تُدار بين هدنة مؤقتة وتصعيد مؤجّل. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مشروعًا حتى اثبات العكس: هل تكون الهدنة بداية لاستعادة الدولة، أم مجرّد استراحة بين جولات صراع لم تنتهِ بعد؟











اترك ردك