لكن الرواية الرسمية الإسرائيلية عن “اكتمال المهمة” و”تطهير الأنفاق”، كما عبّر عنها وزير الأمن الإسرائيلي، لم تجد ما يقابلها من تفاصيل واضحة من الجانب اللبناني أو من “حزب الله” نفسه، الذي التزم ما يشبه “التعتيم المطبق” حيال ما جرى فعلاً داخل المنشأة. كذلك اعتمدت طهران الخيار نفسه متجاهلة ما حصل ، على رغم انها كانت وضعت تلة علي الطاهر ضمن الخطوط الحمر . هذا الصمت، المقترن بمعلومات متضاربة عن مصير المقاتلين الذين كانوا داخل المنشأة في التلة ، فتح الباب أمام تساؤلات جدية لم تُحسم بعد: هل كان ما جرى اقتحاماً عسكرياً فعلياً أم أن ثمة تفاهماً غير معلن، تحت الطاولة، سمح بخروج من كان في الداخل، بمن في ذلك عناصر من “الحرس الثوري” الإيراني، في مقابل عدم خوض معركة مفتوحة كان يمكن أن تُطيح بحسابات الطرفين معاً؟
الإشارات إلى أن “حزب الله” “لم يخض معركة فعلية للدفاع عن التلة” رغم الصورة التي حاول تظهيرها سابقاً عن أهميتها، تعزز فرضية أن ما حصل لم يكن معركة حسمها الميدان وحده، بل تقاطعت فيه اعتبارات أخرى: رغبة إسرائيلية في تسجيل “إنجاز” نظيف الكلفة بشرياً، ورغبة لدى “الحزب” في تفادي خسارة استعراضية تُستخدم ضده داخلياً، فضلاً عن حسابات إيرانية أوسع لا تريد فتح جبهة تصعيد غير محسوبة النتائج في هذه المرحلة بالذات. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الكاملة لما جرى في باطن التلة أشبه بـ”صندوق أسود” سياسي وعسكري، لا يبدو أن أحد الطرفين، الإسرائيلي أو اللبناني، معنيّ فعلاً بفتحه أمام الرأي العام. وتعزز الغموض حول مصير التلة ومن فيها من خلال تضارب التسريبات والروايات في ما بدا أن ثمة من يتعمد تضليل الرأي العام لإخفاء ما قيل عن “صفقة” تمت بعيداً عن الأضواء كانت من ثمار محادثات تمت في تركيا بين ممثلين من المخابرات الاميركية والاسرائيلية وجهة عربية حظيت بموافقة ” حزب الله “.
توظيف نتنياهو للإنجاز: الداخل أم طاولة التفاوض؟
إلا ان السؤال الأكثر إلحاحاً بعد سقوط علي الطاهر هو كيفية توظيف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لهذا “الإنجاز” العسكري. فالمسارات المحتملة أمامه ليست واحدة، بل تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الخارجية. فمن جهة، يمنحه هذا التطور مادة دعائية يمكن تسويقها داخلياً في ظل استحقاقات سياسية وانتخابية لا تغيب عن حساباته، كدليل إضافي على أن “الحسم العسكري” لا يزال خياراً فاعلاً، وأن التنازل عبر المفاوضات ليس ضرورة حتمية.
ومن جهة أخرى، ثمة من يرى أن نتنياهو قد يفضّل استثمار هذا “الإنجاز” لا في الصندوق الانتخابي بل في تعطيل المفاوضات ذاتها، عبر رفع سقف مطالبه الميدانية وتظهير أن الضغط العسكري المتدرّج يحقق ما تعجز التسوية التفاوضية عن تحقيقه. فكل موقع جديد تسيطر عليه إسرائيل ميدانياً، مثل جبل الريحان والدبشة والطهرة- التي لا تزال خارج السيطرة الكاملة- يصبح ورقة تفاوضية إضافية أو ذريعة لتأجيل الاستحقاقات، بدل أن يكون حافزاً للتسريع نحو تسوية. وهذا ما يجعل الخيارين، الانتخابي والتعطيلي، غير متناقضين بالضرورة، بل يمكن أن يخدم أحدهما الآخر في آن واحد. والخيار التعطيلي الذي يفضله نتنياهو يظهر بوضوح من خلال ما يصدر عنه وعن غيره من المسؤولين الإسرائيليين من مواقف سلبية تصل احياناً إلى حد نعي المفاوضات او التبشير بفشلها !
جولة ثامنة بلا أفق: عقبات ثلاث تمنع تفعيل الاتفاق
بالتوازي مع تطورات علي الطاهر، لا تبدو الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية، التي لم يُحدَّد لها موعد رسمي حتى الآن، أقرب إلى الانعقاد بأفق واضح، وذلك بسبب استمرار تعطّل اتفاق الإطار في ثلاث مسائل جوهرية لم تُحسم بعد رغم جولات “روما” المتعاقبة:
⁃ أولاً، ترفض إسرائيل حتى الآن الاستجابة للطلب اللبناني بتوسيع المناطق النموذجية لتشمل بلدات جديدة، متمسّكة بمنطقتي فرون وصريفا وزوطر الغربية اللتين اتُفق عليهما في وقت سابق، ومتذرّعة بأن الجيش اللبناني لم يقم بدوره على النحو المطلوب في “تنظيف” المناطق من مظاهر وجود حزب الله، قبل الانتقال إلى أي توسيع جديد. وقد سمع السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى خلال وجوده في تل ابيب الأسبوع الماضي كلاماً اسرائيلياً واضحاً حول ” عجز ” الجيش اللبناني عن القيام بدوره كاملاً قياساً إلى السردية الاسرائيلية في هذا الصدد ، وهو أمر نفاه الجيش اللبناني اكثر من مرة ، لكنه ظل اولوية في الانتقادات الاسرائيلية التي تجد بعض الصدى لدى الادارة الاميركية ..
⁃ ثانياً، تتحفظ قيادة الجيش اللبناني على سلسلة من الطلبات التي تراها تعجيزية وتتجاوز صلاحياتها المتعارف عليها، من مثل التفتيش الدقيق للسيارات العابرة، ودخول المنازل وتفتيشها، ومنع الشبان من الاقتراب من المناطق المحاذية للخط الأصفر. فهذه الإجراءات، من وجهة نظر قيادة الجيش، تُحمّله دوراً أمنياً واسعاً يقترب من دور الاحتلال نفسه، أكثر مما هو انتشار سيادي طبيعي لدولة تبسط سلطتها على أراضيها. وقد كان قائد الجيش العماد رودولف هيكل واضحاً وحاسماً في تحديد مهمات الجيش في الجنوب رافضاً ان تُملى عليه الشروط سواء اتى الإملاء من تل ابيب او من اي عاصمة اخرى بما فيها واشنطن . وتلفت مصادر ديبلوماسية إلى وجود تناقض داخل الادارة الأميركية بين من يؤيد وجهة نظر القيادة العسكرية اللبنانية ، وبين من يعارضها ويواصل التحريض و” بخ” السم على المؤسسة العسكرية قيادة وضباطاً وأفراداً . وتضيف المصادر الديبلوماسية ان وتيرة الانتقادات ترتفع عندما تغذيها اصوات لبنانيين مقيمين في الولايات المتحدة الأميركية لديهم حسابات ينوون تصفيتها ويستغلون صداقاتهم داخل الادارة والكونغرس لهذا الغرض .
ثالثاً، لا يزال الاتفاق على تحديد الجهة أو القوة التي ستتولى التحقق من مدى التزام لبنان بتنفيذ انتشاره في المناطق النموذجية متعثراً، وسط تجاذب حول المرجعية القانونية لأي آلية تحقق جديدة، وما إذا كانت ستمر عبر الأمم المتحدة أو عبر إطار أميركي مباشر، في ظل غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين حول تفسير كل بند من بنود الاتفاق. وفي هذا الاطار تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل “تتفنن” في وضع الفيتو على هذه الدولة وتلك كلما لاحت امكانية لقبول دولة ما مهمة التحقق من تنفيذ لبنان وإسرائيل على حد سواء ما هو متفق عليه ضمن “اتفاق الاطار ” الذي بات ” أحجية ” في تفسير بعض بنوده !
غموض ما بعد “اليونيفيل”: ورقة أخرى مفتوحة
يضاف إلى هذه العقد الثلاث ملف رابع لا يقل تعقيداً، وهو مصير جنوب لبنان بعد انتهاء المهمة العملانية للقوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل)، والمقرر أن تنتهي نهاية العام الحالي وفق القرار الأممي الذي مدد ولايتها للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول المقبل، مع أمر البعثة ببدء انسحاب تدريجي كامل خلال العام ٢٠٢٧ . وفي حين أن هناك دعماً واسعاً بين أغلب أعضاء مجلس الأمن لاستمرار الوجود الدولي بشكل أو بآخر، فإن الموقف الأميركي لا يزال هو العقبة الأصعب، إذ يرى المسؤولون الأميركيون أن القوة الدولية “فشلت” في أداء مهمتها، ولا ينوون دعم تمديد ولايتها بعد نهاية العام الحالي، متوقعين بدل ذلك الانتقال إلى تطبيق كامل لـ”الإطار الثلاثي” الذي يقوم أساساً على الآلية الثنائية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي بإشراف أميركي مباشر. وكان موقف البعثة الأميركية واضحاً خلال جلسة المداولات التي انعقدت في مجلس الامن قبل ايام ولم يترك اي مجال للاجتهاد ، على رغم ما يبديه المسؤولون اللبنانيون من آمال في ان يتبدل الموقف الاميركي ، وهو امر غير متوافر في الوقت الحاضر لان الانتقادات الأميركية التي تطول بقوة عمل ” اليونيفيل” تكاد تكون متشابهة لتلك الموجهة إلى الجيش اللبناني !
وهكذا فان هذا الغموض بشأن “ما بعد اليونيفيل” يترك فراغاً أمنياً ورمزياً في آن، إذ إن وجود القوة الدولية لطالما شكّل عاملاً مساعداً على تثبيت السكان في قراهم وتعزيز الاستقرار، بحسب ما شدّد عليه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في أكثر من مناسبة. وغياب بديل واضح ومتفق عليه لهذا الدور، في توقيت يتزامن مع استمرار التصعيد الإسرائيلي الميداني، يرفع من منسوب القلق إزاء ما ستؤول إليه الحال جنوب الليطاني في الأشهر المقبلة. وهذا القلق عبر عنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني وغيرهما من المسؤولين في دول الاتحاد الأوروبي .
في الخلاصة ، فإن مجمل هذه المعطيات، من سقوط علي الطاهر وسط ظروف غامضة، إلى تعثر الجولة الثامنة من المفاوضات على ثلاث عقد جوهرية وسط حديث عن امكانية نقلها من روما إلى الولايات المتحدة الأميركية مجددا ، وصولاً إلى الضبابية المحيطة بمصير “اليونيفيل” والموقف الأميركي المتشدد حيال تمديدها، لا تعدو أن تكون تأكيداً جديداً لما سبق أن أشرنا إليه: أن إسرائيل باقية في الجنوب اللبناني حتى إشعار آخر، وأن أي حديث عن انسحاب شامل أو تسوية نهائية قريبة لا يزال أسير حسابات ميدانية وسياسية وإقليمية متشابكة، لا تبدو في طريقها إلى الحسم في المدى المنظور. كل ذلك يحدث في وقت تواصل فيه السلطة اللبنانية الرهان على تطورات سياسية غير واضحة – واحياناً غير موضوعية – تعتقد انها ستُحدث تبدلا في مسار المفاوضات على نحو اكثر فاعلية مما هو عليه الان .












اترك ردك