المعطيات المتقاطعة تشير إلى أن الرسائل المتبادلة حالياً لا تدور حول اتفاق نهائي، بل حول إطار التفاوض نفسه. بمعنى آخر، فإنّ الصراع قد انتقل إلى مرحلة تحديد العناوين قبل الدخول في التفاصيل، حيث يسعى كل طرف إلى فرض أولوياته على طاولة المباحثات المقبلة.
في هذا السياق، يبرز خلاف أساسي يتمثل في إصرار ترامب على وضع الملف النووي في مقدمة الجولة الأولى، في مقابل رفض إيراني حتى اللحظة، ما يعكس فجوة واضحة في ترتيب الأولويات.
ضمن هذا الإطار تحديداً، يبرز الملف اللبناني كجزء من سلة التفاوض الأوسع. فوفق مصادر مطلعة، تُدرج طهران لبنان ضمن بند يرتبط بوقف الحرب في المنطقة، ما يعني أن أي تقدّم في المباحثات مع واشنطن لا يمكن فصله عن موقع لبنان ودور “حزب الله” ضمن هذه المعادلة. بذلك، يتحول لبنان إلى عنصر تفاوضي مرتبط بمسار إقليمي أشمل، تُقاس نتائجه على أكثر من ساحة في آن واحد.
انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم “مشروع الحرية” كأداة ضغط ميدانية تُستخدم لتعديل ميزان التفاوض. فواشنطن، التي تدرك حساسية مضيق “هرمز” وتأثيره المباشر على الاقتصاد العالمي، تحاول كسر حالة الجمود عبر خطوة تحمل طابعاً عملياً، لكنها في جوهرها رسالة سياسية تقوم على القدرة على فرض واقع جديد إذا تعثّرت المفاوضات.
في المقابل، يأتي الموقف الإيراني حاسماً في هذا السياق. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن ما يجري في مضيق “هرمز” يثبت أن لا حل عسكرياً للأزمة، مشدداً على أن “مشروع الحرية” ليس مخرجاً، بل هو مؤشر الى طريق مسدود. هذا التوصيف يضع التحرك الأميركي في إطار مختلف، حيث يتحول من مبادرة محتملة إلى خطوة تعكس تعثر المقاربة السياسية.
كما حمل موقف عراقجي تحذيراً مباشراً من الانجرار إلى التصعيد، ليس فقط لواشنطن، بل أيضاً لحلفائها، في ظل الحديث عن أطراف إقليمية قد تدفع نحو مواجهة أوسع. وفي هذا السياق، يصبح أي تحرك ميداني في مضيق “هرمز” قابلاً للانعكاس على ساحات أخرى، من بينها لبنان، المرتبط أصلاً بمسار التفاوض الإقليمي.
بالتالي، لا يعود السؤال محصوراً بما إذا كانت واشنطن قادرة على فرض مرور السفن، بل بما إذا كانت هذه الخطوة قادرة أصلاً على تغيير مسار التفاوض. فالموقف الإيراني المعلن يوحي بأن الضغط الميداني لن يؤدي إلى اختراق سياسي، بل قد يكرّس مزيداً من التعقيد.
في المحصلة، لا يمكن فصل “مشروع الحرية” عن سياق أوسع من إعادة توزيع الأوراق في المنطقة. فالمضيق لم يعد مجرد ممر بحري، بل أداة ضغط، ولبنان لم يعد ساحة مستقلة، بل جزء من معادلة تفاوضية متشابكة، تختبر حدود القوة وحدود التسوية في آن واحد.











اترك ردك