فالملف لم يكن تفصيلاً قضائياً عابراً، ولا مجرد خلاف على مرجعية التحقيق،بل كان عنواناً لصراع أكبر حول كيفية مقاربة السلطة لملف بالغ الخطورة، وحول قدرتها على اتخاذ قرارات من دون دفع البلاد إلى مزيد من الانقسام والتوتر.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في أداء السلطة الحالية، حيث تذهب سريعاً إلى تكبير الحجر أولاً، ورفع سقف الخطاب والتهديد، ثم العودة إلى التريث بعد الاتصالات والضغوط، في حين أن البلد لا يحتمل هذه السياسة، فبعض الملفات لا تُدار بمنطق تسجيل النقاط السياسية، بل بمنطق حماية البلد ومنع الانفجار.
هذه الطريقة في إدارة الملفات لا تعكس بالضرورة قوة الدولة، بل قد تعكس غياب التقدير السياسي الدقيق لحدود الممكن. فالسلطة التي تذهب إلى أقصى الخيارات ثم تعود عنها تحت ضغط الاتصالات، تضع نفسها، كما يقول مصدر وزاري أمام سؤال مشروع هل كانت تدرك منذ البداية حجم تداعيات ما تطرحه؟ أم أنها تتخذ قراراتها تحت تأثير اللحظة، ثم تبدأ لاحقاً في البحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه وتمنع الانفجار؟
ومن هنا جاء قرار مجلس الوزراء بإبقاء ملف المتفجرات المضبوطة قيد المتابعة القضائية والحكومية، من دون حسم مسألة إحالته إلى المجلس العدلي، وبذلك، لم يحسم مجلس الوزراء في جلسته أمس وجهة الملف، بل أبقى القرار مرتبطاً بمسار التحقيقات وما ستفضي إليه في المرحلة المقبلة.
لكن المشكلة أن هذا التفسير نفسه بات جزءاً من المعركة السياسية، فلكل طرف قراءته للملف، ولكل جهة حساباتها في تحديد المرجعية القضائية التي ستتولى التحقيق. وهنا تحديداً تظهر، بحسب مصادر سياسية، خطورة التعاطي الحكومي مع القضية، لأن أي قرار لا يحظى بغطاء سياسي واسع يمكن أن يتجاوز الاشتباك السياسي إلى الشارع.
الأكيد أن ملف الشاحنة بات ورقة ضغط حقيقية في العلاقة بين الدولة وحزب الله. فالملف، وفق المعطيات السياسية، قد يبقى سيفاً مسلطاً على رقبة الحزب، الذي يشدد على أنه لن يقف مكتوف اليدين أمام ما يعتبره استهدافاً له.
ولذلك، يبقى الترقب سيد الموقف في الأيام المقبلة، فالجلسة الحكومية نجحت في تمرير قطوع صعب، لكنها لم تُنهِ الأزمة، فالملف ما زال مفتوحاً، والتحقيقات مستمرة، والاتصالات ستتواصل، فيما ستبقى مسألة الإحالة إلى المرجعية القضائية المناسبة معلقة على تطورات التحقيق وعلى ميزان الاتصالات السياسية والخارجية.












اترك ردك