من الإسناد إلى إعادة التموضع: كيف أعاد “حزب الله” صياغة استراتيجيته؟

شكّل حدث السابع من تشرين الأول 2023، المعروف بعملية “طوفان الأقصى”، نقطة تحوّل أساسية في مسار الصراع في المنطقة. ففي اليوم التالي، دخلت الجبهة اللبنانية على خط المواجهة ضمن ما وُصف بعملية إسناد لغزة، في مقاربة بدت وسطية بين الانخراط الكامل في الحرب والاكتفاء بالمراقبة.

عكس هذا الخيار توازناً بين اعتبارات ميدانية واستراتيجية، حيث انطلقت العمليات من مناطق حدودية متنازع عليها، مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وعلى مدار عام، شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً تدريجياً تمثّل في استهدافات متكررة طالت مناطق مختلفة، من بينها العاصمة بيروت، وأدّت إلى استشهاد شخصيات بارزة، من بينها العاروري، ثم استهداف أربع قيادات من الصف الأول، من جواد الطويل إلى أبو طالب وأبو نعمة، ليتدرج الأمر لاحقاً باستهداف بيروت مرة أخرى، باغتيال القيادي محسن شكر في أواخر تموز 2024.

وحتى يوم استهداف شكر، كانت لدى قيادة الحزب قناعة بأن الإسرائيلي لا يريد الذهاب إلى حرب مفتوحة، وأن استهداف بيروت يُعدّ خطاً أحمر. وقد اعتُبرت العملية الأولى استهدافاً لأحد قياديي حركة حماس ضمن سياق الحرب على غزة، لتأتي لاحقاً عملية “البيجر”، وتليها أجهزة اللاسلكي في اليوم التالي، ثم استهداف قادة وحدة الرضوان، وعلى رأسهم إبراهيم عقيل، لتكتمل المشهدية بعد أيام باستهداف واستشهاد الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، إلى جانب عدد من القيادات، منهم علي كركي. ثم تكرّس هذا المسار بعد ستة أيام باغتيال السيد هاشم صفي الدين مع عدد من القيادات الأمنية. وكان قد سبق ذلك استهداف الشيخ نبيل قاووق ومسؤول الإشارة في المقاومة.

خلال هذه المرحلة، خاضت الأطراف المعنية مواجهات مكثفة استمرت أسابيع، من دون تغييرات حاسمة على الأرض، لكنها أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة. وانتهت هذه الجولة بوقف لإطلاق النار وُصف بالهش، مع استمرار التوترات والخروقات.

أعقب وقف إطلاق النار فترة اتسمت بعدم الاستقرار، حيث استمرت العمليات العسكرية بوتيرة متفاوتة. ففي الأشهر الأولى، شهدت المناطق الحدودية أضراراً واسعة نتيجة العمليات العسكرية، قبل أن تتوسع الاستهدافات لتشمل مناطق أبعد داخل الأراضي اللبنانية.

بالتوازي، طرأت تغييرات على المشهد السياسي الداخلي، تمثّلت في تراجع الحزب عن دعم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، بفعل الخسائر التي مُني بها، ما أفضى إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، العماد جوزاف عون، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة القاضي نواف سلام، وفق معايير غربية طالت تسمية الوزراء. وقد وصل الأمر إلى نقاشات حادة حول قضايا السيادة والسلاح، لا سيما من خلال قرار الخامس من آب، ثم قرار السابع من أيلول.

وجاءت هذه التحولات السياسية في بيئة داخلية منقسمة، حيث تباينت المواقف بين من يدعو إلى تثبيت سلطة الدولة بشكل كامل، وبين من يرى أن الأولوية تبقى لمواجهة التهديدات الإسرائيلية أولاً. كما صدرت قرارات رسمية تتعلق بتنظيم الوجود العسكري في الجنوب، لجهة انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني، وصولاً إلى طرح توسيع هذا التوجه ليشمل شمال النهر، ما أضاف بُعداً جديداً للنقاش الداخلي حول طبيعة المرحلة المقبلة. ويتقاطع ذلك مع تحولات إقليمية لافتة، من بينها التغيير السياسي في سوريا مع رحيل الرئيس بشار الأسد ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الرئاسة.

في هذا السياق، اتسم أداء الحزب بقدر كبير من الترقب، حيث غابت الردود المباشرة لفترة، سواء نتيجة حسابات ميدانية أو اعتبارات سياسية، إلى أن وقع حدث إطلاق الصواريخ في الثاني من آذار، والذي رافقه ارتباك في التقديرات والتفسيرات. فقد تعددت الروايات بين من اعتبر الحدث غير منسجم مع نمط العمليات السابق، ومن شكك في طبيعته، إلى أن صدر بيان رسمي عن الإعلام الحربي تبنّى العملية، ما أدى إلى إعادة خلط الأوراق وطرح تساؤلات جديدة حول مسار المرحلة المقبلة.

وقد انعكس هذا الحدث سريعاً على المشهد السياسي، حيث عُقدت اجتماعات حكومية انتهت إلى حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب باعتبارها خارجة عن القانون. إلا أن هذه التفاعلات أظهرت أيضاً تبايناً في التقدير بين الأطراف المختلفة، في ظل واقع معقد ومتغير.

وبناءً على ما تقدم، أعادت عملية “العصف المأكول” فتح النقاش حول طبيعة المرحلة الجديدة، ليس فقط من حيث الحدث نفسه، بل من حيث ما كشفه من معطيات ميدانية وتنظيمية. فبعد فترة طويلة من الهدوء النسبي المشوب بالاستهدافات، جاءت العملية لتطرح سؤالاً أساسياً: هل ما يجري مجرد رد محدود، أم بداية لإعادة رسم قواعد الاشتباك؟

أول ما لفت الانتباه، بحسب مصادر عسكرية وخبراء استراتيجيين، كان عنصر المفاجأة، إذ بدت العملية غير متوقعة لكثير من المتابعين، سواء على مستوى توقيتها أو حجمها، ما يشير إلى قدرة على الحفاظ على قدر من السرية في التحضير والتنفيذ. ويطرح هذا العامل تساؤلات حول آليات التنظيم وإدارة العمليات في بيئة مكشوفة أمنياً إلى حد كبير.

ثانياً، أظهرت العملية، بحسب ما يجمع عليه الخبراء، أن القدرات العسكرية لم تتآكل بالشكل الذي كان يُعتقد، إذ إن إطلاق عدد ملحوظ من الصواريخ في وقت واحد يعكس استمرار الجاهزية، سواء على مستوى التخزين أو الإطلاق أو التنسيق، ما يعزز الانطباع بوجود بنية تنظيمية ما زالت قادرة على العمل رغم الضغوط المستمرة.

ثالثاً، يبرز موضوع الإمداد كأحد أكثر الجوانب إثارة للتساؤل. ففي ظل الرقابة الجوية والاستهدافات المتكررة، يبدو، بحسب الخبراء، أن هناك آليات ما زالت تتيح استمرار تدفق الموارد أو الحفاظ عليها. وهذا لا يعني بالضرورة وضوح الصورة، لكنه يشير إلى أن الواقع الميداني أكثر تعقيداً مما يظهر في العلن.

رابعاً، من حيث الأداء الميداني، تشير المعطيات إلى قدرة على إدارة الاشتباك بوتيرة مختلفة، سواء عبر تبديل العناصر أو استمرار العمليات دون انقطاع واضح. كما أن استمرار نقل الشهداء وإقامة مراسم التشييع بشكل علني يعكس مستوى معيناً من السيطرة التنظيمية داخل البيئة المحلية. ويبدو أيضاً أن التنسيق بين محاور القتال في لبنان وإيران ووحدات الميدان قائم بمستوى مرتفع، سواء بين وحدات نصر وبدر وعزيز، أو على صعيد إدارة العمليات، ما يعكس درجة من الانسجام العملياتي.

خامساً، لم تؤدِ العملية حتى الآن إلى تغييرات حاسمة في خطوط التماس، ما يعزز، بحسب الخبراء، فرضية أن المرحلة الحالية هي مرحلة استنزاف متبادل، يسعى فيها كل طرف إلى تحسين شروطه، بحيث يصبح العامل الزمني جزءاً من المعركة بحد ذاته.

سادساً، لا يمكن فصل ما جرى عن البعد النفسي والإعلامي، فالعملية، بصرف النظر عن نتائجها الميدانية المباشرة، أحدثت صدمة في الخطاب العام، خصوصاً أنها جاءت بعد فترة ساد فيها انطباع بتراجع القدرة على المبادرة، ما يعكس أهمية البعد المعنوي في إدارة الصراع إلى جانب البعد العسكري.

وعليه، يمكن القول، بحسب المصادر، إنه بعد مرور نحو شهر على المواجهات، لا تظهر مؤشرات واضحة على تحقيق العدو تقدماً ميدانياً ملموساً داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يُستدل عليه من غياب أدلة موثقة على تثبيت نقاط انتشار دائمة. ومع ذلك، تستمر إسرائيل، عبر مسؤوليها، في طرح فرضيات تقدمها نحو صيدا أو وصولها إلى نهر الليطاني. علماً أن الخبراء العسكريين يشيرون إلى اشتباكات قريبة المدى، ما يدفع العدو إلى استخدام القوة الجوية لدعم عملياته، بما في ذلك تنفيذ ضربات بالقرب من مناطق انتشار قواته، كما حدث في الخيام.

كما سُجلت عمليات إخلاء في مستوطنات الشمال، وسط حديث عن تجدد المخاوف الأمنية لدى السكان في ضوء تجارب سابقة.

في هذا السياق، يُطرح تساؤل حول مدى دقة ما يُتداول بشأن طبيعة التعاون على الجانب الآخر من الحدود مع سوريا، وما إذا كان قد شهد تحولاً مقارنة بالفترات السابقة، أم أن ذلك يبقى ضمن إطار التقديرات غير المؤكدة.

أخيراً، تطرح هذه التطورات تساؤلات أوسع حول المرحلة المقبلة: هل قد تشكّل هذه العمليات مقدمة لتحولات أكبر؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة، لكن الواضح أن قواعد الاشتباك لم تعد ثابتة كما كانت في السابق.