لم تعد السياحة الدينية مجرّد زيارات إلى الكنائس والأديرة والمزارات، بل تحوّلت إلى قطاع اقتصادي قادر على استقطاب الزوار على مدار السنة، وتحريك قطاعات الضيافة والنقل والمطاعم والخدمات، وتوفير فرص عمل في المناطق التي تحتضن المواقع الدينية والتاريخية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية طرح إنشاء مسار ديني وسياحي يربط لبنان وسوريا والأردن، ويجمع أبرز المحطات المرتبطة بتاريخ الأديان، ولا سيما المسيحية، ضمن رحلة إقليمية واحدة.
موقع المغطس في الاردن
وقد عاد هذا الطرح إلى الواجهة مع زيارة وزير السياحة والآثار الأردني عماد الحجازين إلى لبنان مطلع تشرين الأول 2026، حيث بحث مع المسؤولين اللبنانيين سبل تعزيز التعاون السياحي والديني. في وقت بحثت وزيرة السياحة اللبنانية لورا الخازن لحود ونظيرها السوري مازن الصالحاني، خلال لقاء في دمشق في 30 أيلول 2026، إمكان تطوير مسارات سياحية مشتركة بين البلدين تمتد إلى الأردن، إلى جانب تسهيل حركة الزوار وتشجيع الاستثمار السياحي. وتفتح هذه الاتصالات الباب أمام بلورة مشروع إقليمي يستثمر في الإرث الديني والتاريخي المشترك، وإن كان تحديد محطاته النهائية وآليات تنفيذه لا يزال يحتاج إلى اتفاقات وخطوات عملية.

موقع المغطس في الاردن
من أين ينطلق المسار وأين يصل؟
لا تزال المحطات النهائية وترتيبها الجغرافي بحاجة إلى إعلان رسمي، لكن المواقع الدينية المعروفة في الدول الثلاث تسمح برسم تصور أولي لمسار يمكن أن يبدأ من الأردن، ويمر بسوريا، وصولاً إلى لبنان، أو يُنظّم بالاتجاه المعاكس وفقاً لاعتبارات النقل وإجراءات الحدود وبرامج شركات السياحة.
في الأردن، يشكّل موقع” المغطس” عند نهر الأردن إحدى أبرز المحطات، لارتباطه تقليدياً بمعمودية السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، فضلاً عن قيمته الدينية والتاريخية. ويمكن أن تشمل الرحلة أيضاً جبل نيبو، المرتبط بذاكرة النبي موسى، ومكاور، وكنيسة سيدة الجبل، وغيرها من المواقع التي تجمع بين الإرث الديني والطابع التاريخي.

معلولا
وتكتسب هذه المحطات أهمية إضافية مع استعداد الأردن لإحياء مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في عام 2030، وهي مناسبة يمكن أن تشكّل فرصة لتوسيع برامج الحج المسيحي وتعزيز حضور المملكة على خريطة السياحة الدينية العالمية.
ومن الأردن، يمكن أن يمتد المسار إلى سوريا، التي تحتضن مواقع ذات أهمية كبيرة في تاريخ المسيحية وانتشارها. وتبرز دمشق القديمة، بما تضمه من معالم دينية وتاريخية، وكنيسة حنانيا، إلى جانب معلولا المعروفة بأديرتها وكنائسها وبقاء اللغة الآرامية في تقاليدها المحلية. ويمكن إدراج مواقع أخرى بحسب مدة الرحلة وإمكان الوصول إليها ومستوى الجهوزية السياحية والأمنية.
أما لبنان، فيمتلك مجموعة واسعة من المواقع التي تسمح بتقديم تجربة دينية وثقافية متكاملة، تتوزع بين الجنوب وجبل لبنان والشمال. وتبرز قانا، المرتبطة بالتقليد المسيحي بمعجزة تحويل الماء إلى خمر، ومغدوشة حيث مزار سيدة المنطرة، وصولاً إلى حريصا ومزار سيدة لبنان، وعنّايا المرتبطة بالقديس شربل، ووادي قنوبين بأديرته التاريخية
ويمكن تنظيم المحطات اللبنانية ضمن برنامج يمتد عدة أيام، بدلاً من الاكتفاء بزيارة سريعة لموقع واحد، مع ربط المزارات بالبلدات المحيطة بها وبما تقدمه من تراث معماري وغذائي وحرفي. لكن تحديد نقطة الانطلاق والنهاية والمدة الفعلية للرحلة سيبقى مرتبطاً بالبرنامج الرسمي الذي ستتفق عليه الدول المعنية.

مزار سيدة لبنان- حريصا
لبنان أمام فرصة
تكمن أهمية لبنان في أنه لا يقدّم للزائر موقعاً دينياً منفرداً، بل تجربة تجمع بين الإيمان والتاريخ والطبيعة والتراث المحلي. فالمواقع الدينية موزعة على مناطق مختلفة، ويمكن ربطها ببرامج ثقافية وغذائية وتراثية، بما يشجع الزائر على تمديد إقامته والتنقل بين أكثر من منطقة.
ويملك لبنان قاعدة يمكن البناء عليها، في ظل وجود مواقع دينية وتاريخية متنوعة ومبادرات سابقة لتوثيقها وإعداد مسارات سياحية لها. وبالتالي، فإن تطوير المسار الإقليمي لا يتطلب البدء من الصفر، بل تحديث الخرائط والمعلومات، وتأهيل المواقع والخدمات المحيطة بها، وربطها ببرامج سياحية قابلة للتسويق في الخارج.
كما يمكن لهذا المشروع أن يساهم في تسليط الضوء على مناطق لا تستفيد بالقدر الكافي من الحركة السياحية، ولا سيما القرى والبلدات التي تحتضن الأديرة والمزارات التاريخية. فإدراج هذه المناطق في رحلات منظمة قد يشجع على إنشاء بيوت ضيافة، وتطوير المطاعم العائلية، وتنشيط بيع المنتجات المحلية والصناعات الحرفية، وتوفير فرص عمل للشباب.
ولا تقتصر الفوائد المحتملة على المؤسسات الصغيرة، بل تشمل أيضاً الفنادق وشركات النقل السياحي والمرشدين ومكاتب السفر ومنظمي رحلات الحج. فكل زائر إضافي قد يساهم في تحريك سلسلة من الخدمات، فيما يسمح توسيع البرنامج وتعدد محطاته بتوزيع الإنفاق السياحي على مناطق وقطاعات مختلفة.
كيف ينعكس المسار على الاقتصاد اللبناني؟
أولى الفوائد المحتملة تتمثل في توسيع الأسواق . فبدلاً من تسويق البلد بصورة منفردة، يمكن إدراجه ضمن رحلة دينية إقليمية تستقطب الحجاج من أوروبا وأميركا اللاتينية وغيرها من الأسواق المهتمة بالمواقع المسيحية في الشرق الأوسط. وقد يشكّل البرنامج المشترك حافزاً إضافياً للزائر الذي يرغب في اكتشاف أكثر من بلد خلال الرحلة نفسها.
أما الفائدة الثانية، فتتمثل في زيادة مدة إقامة السياح وإنفاقهم داخل لبنان. فالزائر الذي يخصص عدة أيام لزيارة المواقع الدينية يحتاج إلى الإقامة الفندقية والنقل بين المناطق وخدمات الإرشاد والمطاعم، وقد ينفق أيضاً على المنتجات المحلية والحرفية. وكلما تنوعت المحطات وتحسنت الخدمات، اتسعت دائرة المؤسسات التي يمكن أن تستفيد من هذه الحركة.
وتبرز فائدة ثالثة على مستوى التنمية المحلية، إذ يمكن للمسار أن يخلق فرصاً اقتصادية في مناطق خارج المراكز السياحية التقليدية، وأن يشجع الاستثمار في بيوت الضيافة والمطاعم والنقل والخدمات الثقافية. كما قد يساهم في الحد من موسمية النشاط السياحي، لأن السياحة الدينية لا ترتبط حصراً بموسم الاصطياف، بل تتوزع على مدار السنة، مع تفاوت الحركة وفقاً للأعياد والمناسبات الدينية ومواعيد الحج.
كذلك، يمكن أن يفتح المشروع المجال أمام استثمارات في ترميم المواقع الدينية، وتحسين الطرق والإشارات السياحية، وتطوير المحتوى الرقمي بلغات متعددة، وتدريب المرشدين المتخصصين. لكن تحديد حجم العائد الاقتصادي المحتمل يحتاج إلى دراسة جدوى تأخذ في الاعتبار عدد الزوار المتوقع، ومتوسط إنفاقهم، ومدة إقامتهم، وكلفة تنظيم الرحلات والترويج لها. ومن دون هذه المعطيات، لا يمكن تقدير الإيرادات أو فرص العمل بأرقام دقيقة.
بين الفرص والعوائق: ما الذي يحتاج إليه المشروع؟
على الرغم من تنوع المواقع الدينية والتاريخية في البلدان الثلاثة، فإن نجاح المسار لا يرتبط بوفرة المعالم وحدها. فالمشروع يحتاج إلى تنسيق رسمي بشأن إجراءات الدخول والخروج والتأشيرات حيث تلزم، وتنظيم حركة المجموعات السياحية، وتسهيل عمل شركات السفر والنقل، وتوفير المعلومات اللازمة للزوار قبل انطلاقهم.
ويشكّل الاستقرار الأمني وإمكان التنقل بين الدول عاملاً أساسياً في قرار شركات السياحة العالمية إدراج المسار ضمن برامجها. كما أن تفاوت مستوى الخدمات والبنية التحتية، والحاجة إلى تأهيل بعض المواقع، وتوفير الإرشاد السياحي والمواد التعريفية بلغات مختلفة، كلها مسائل تتطلب معالجة قبل تسويق البرنامج على نطاق واسع.
ومن هنا، تبرز أهمية تشكيل إطار تنسيقي يجمع وزارات السياحة والجهات الدينية والبلديات وشركات السياحة والقطاع الخاص، بهدف إعداد خريطة موحدة للمواقع، وتحديد برنامج تجريبي قابل للتنفيذ، وتقدير مدته وكلفته، ووضع آلية واضحة للترويج والتسويق المشترك. ويمكن أن تشكّل هذه الخطوات أساساً لتطوير المسار تدريجياً، بدلاً من إطلاق مشروع واسع قبل استكمال متطلباته.
ويبقى الاختبار الحقيقي في الانتقال من طرح الفكرة إلى تحديد المحطات والجدول الزمني والتمويل وآليات التنقل، وإشراك القطاع الخاص في التنفيذ والتسويق. فإذا توافرت هذه الشروط، يمكن للمسار أن يتحول إلى نافذة جديدة أمام السياحة اللبنانية، تستثمر في الإرث الديني والتاريخي للبلاد وتربطه بوجهة إقليمية أوسع، بما يحوّل المواقع الروحية إلى فرصة اقتصادية وتنموية تتجاوز حدود الموسم السياحي التقليدي.










اترك ردك