في البيان المشترك، يبرز التشديد على التنفيذ الكامل للقرار 1701، واستكمال نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وانسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية.لا يحمل كل واحد من هذه البنود تحولًا منفصلًا في الموقف الفرنسي أو السعودي. فحصر السلاح والانسحاب الإسرائيلي حاضران في المسار الدبلوماسي الذي رافق لبنان خلال الأشهر الماضية، كما أن اتفاق الإطار رسم طريقًا يجمع بين انتشار الجيش ونزع السلاح والانسحاب التدريجي.
أما الجديد فيكمن في جمع باريس والرياض هذه العناصر داخل صورة واحدة لما سمياه “الحل النهائي”، بعد مرحلة كان الاهتمام فيها منصبًا بدرجة أكبر على تثبيت وقف النار، تطبيق القرار 1701 ومنع انهيار مؤسسات الدولة. ويأتي هذا الموقف في لحظة بات فيها الخلاف على التنفيذ أكثر وضوحًا، فإسرائيل تربط مغادرتها المناطق التي تحتلها بنزع سلاح “حزب الله”، فيما يتمسك الحزب بأولوية الانسحاب الإسرائيلي ويرفض البحث في سلاحه تحت الاحتلال والضربات المستمرة.
من إدارة الهدنة إلى تعريف النهاية
يظهر حجم التغيير في اللغة عند مقارنة البيان الجديد بالموقف المشترك الذي صدر خلال زيارة ماكرون إلى السعودية في كانون الأول 2024. يومها ركز البلدان على أمن لبنان واستقراره وسيادته، وتنفيذ القرار 1701، ودور الجيش و”اليونيفيل”، وتثبيت ترتيبات وقف الأعمال العدائية التي كانت قد دخلت حيز التنفيذ قبل أيام. كما شددا على تمكين الدولة اللبنانية من تحمل مسؤولياتها وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
كانت الأولوية آنذاك منع العودة إلى الحرب وترميم سلطة دولة تعيش فراغًا رئاسيًا وأزمة مؤسساتية، ولذلك جاءت الصياغة أقرب إلى إدارة المرحلة التي أعقبت المواجهة منها إلى تحديد شكل التسوية التي تنهيها. غير أنّ المشهد تغيّر منذ ذلك الحين، فقد انتُخب رئيس للجمهورية وتشكلت حكومة، ثم دخل لبنان وإسرائيل جولات تفاوض انتهت في 26 حزيران إلى اتفاق إطار وضع حصرية السلاح والانسحاب الإسرائيلي ضمن مسار واحد.
وقد ذهبت فرنسا نفسها بعد الاتفاق إلى لغة أكثر وضوحًا، فقالت إن هدفه استعادة لبنان كامل سيادته، وإقامة احتكار كامل للسلاح بيد الدولة وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. ولذلك، فإنّ ما يضيفه بيان باريس هو دخول السعودية إلى هذه الصياغة التفصيلية في لحظة تختلف عن أواخر 2024. فالرياض وباريس لا تكتفيان الآن بالدعوة إلى دعم الجيش، وإنما تحددان العناصر التي تعتبران غيابها مانعًا للوصول إلى نهاية مستقرة: لا سلاح خارج الدولة، ولا وجود إسرائيلي داخل لبنان، مع دولة قادرة على ممارسة سلطتها.
المشكلة في الترتيب لا في العناوين
يصطدم هذا التصور عند التطبيق بالسؤال الذي عطّل المراحل التالية من اتفاق الإطار، وهو يتمحور حول كيفية انتقال لبنان من الوضع الحالي إلى تلك النهاية. فالاتفاق الذي رعته واشنطن لم يجعل الانسحاب الإسرائيلي خطوة مستقلة عن ملف السلاح، وإنما أنشأ مسارًا مرحليًا يرتبط فيه انسحاب القوات الإسرائيلية بتولي الجيش اللبناني المسؤولية ونزع السلاح والتحقق من ذلك. ومن هنا جاءت فكرة “المناطق التجريبية” في محاولة لاختبار معادلة صغيرة يمكن فيها تنفيذ إجراءات لبنانية يقابلها انسحاب إسرائيلي من نطاق محدد.
لكنّ التطبيق لم يكن سهلًا، وجاء الموقف الإسرائيلي الأخير ليضيف مشكلة أخرى إلى هذه المعادلة. فكاتس لم يكتف بشرط نزع سلاح الحزب، وإنما ربط الانسحاب أيضًا بإزالة “تهديد حزب الله في كل لبنان”، وأمر الجيش بالاستعداد لـ”وجود ممتد” إلى حين تحقيق هذا الهدف. هنا، يبدو أنّ البيان السعودي–الفرنسي لا يتبنى هذا التوسع في الشروط، إذ يضع نزع سلاح الجماعات المسلحة وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية ضمن عناصر التسوية النهائية نفسها، لكنه لا يحدد ترتيبًا زمنيًا بينهما ولا الآلية التي تضمن الوصول إليهما.
تمنح هذه الصياغة بيروت، في المقابل، سندًا سياسيًا في اتجاهين لا في اتجاه واحد. فهي تثبت أن حصر السلاح ليس مطلبًا أميركيًا أو إسرائيليًا منفصلًا، وإنما جزء من رؤية سعودية–فرنسية تعتبر أن الدولة يجب أن تكون صاحبة السلطة العسكرية الوحيدة. في الوقت نفسه، تجعل الانسحاب الإسرائيلي الكامل جزءًا أصيلًا من تعريف التسوية، لا نتيجة مؤجلة يمكن فصلها عن بقية الالتزامات إلى أجل غير محدد.
لا يقدم البيان السعودي–الفرنسي جدولًا زمنيًا جديدًا ولا آلية تحقق بديلة، ولذلك لا يحل العقدة التي تواجه المفاوضات في روما. غير أنّ أهميته السياسية تكمن في مكان آخر، ففيما يرسم المسار الأميركي يرسم تفاصيل التنفيذ ومراحله، تحاول باريس والرياض تثبيت صورة النهاية التي يفترض أن تقود إليها تلك المراحل. وبين آلية تقوم على الخطوات المشروطة، ونهاية تقوم على دولة واحدة وسلاح واحد وانسحاب كامل، يبقى التحدي في منع المرحلة الانتقالية من التحول إلى وضع دائم…










اترك ردك