من متفجرات ضهر البيدر إلى “التلويح بانفجار داخلي “… مطلوب من الحكومة موقف حاسم

لم تعد قضية شحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر حدثًا أمنياً يمكن احتواؤه بتبادل البيانات والاتهامات. فمع تصاعد لهجة “حزب الله” في مواجهة السلطة، وانتقال الخطاب من الدفاع عن الشحنة إلى التحذير من “انفجار” داخلي، يبرز سؤال أكثر خطورة عن محاولة الحزب احتواء التداعيات السياسية والأمنية للقضية، ونسأل كما يسأل كل مواطن يضع يده على قلبه”: هل ترفع “حارة حريك” سقف المواجهة مع الدولة لردعها عن الذهاب أبعد في التحقيق والمساءلة؟


ما صدر قبل يومين عن رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، وما أعلنه النائب إبراهيم الموسوي عن أن الانفجار “بات على الحافة”، يتجاوزان السجال التقليدي حول سلاح الحزب ودوره. فرعد يضع التشكيك بشرعية المقاومة في خانة “الجرم الوطني والأخلاقي”، فيما يحذّر الموسوي السلطة من أن استمرار الضغط على بيئة الحزب قد يقود إلى انفجار. وبين الموقفين، تتشكل معادلة سياسية شديدة الخطورة. فالاعتراض على سلاح خارج سلطة الدولة يُقدَّم بوصفه استهدافاً للمقاومة، وممارسة الدولة صلاحياتها تُواجَه بتحذيرات من عواقب داخلية.

المشكلة ليست في حق الحزب في الدفاع عن موقفه، ولا في حق أي فريق لبناني في الاعتراض على سياسات الحكومة. المشكلة تبدأ عندما يصبح التلويح بالانفجار جزءاً من الخطاب السياسي، وعندما يشعر اللبنانيون بأن الدولة مطالبة بالتراجع عن أسئلة أمنية وقضائية حساسة خشية أن يؤدي طرحها إلى توتر في الشارع. ففي دولة تحترم مؤسساتها، لا ينبغي أن يتحول التحقيق في شحنة تضم مئات الكيلوغرامات من المتفجرات إلى اختبار لقدرة السلطة على الصمود أمام الضغط السياسي.

لقد أقرّ “حزب الله”، عبر النائب حسن فضل الله، بأن الشحنة المضبوطة تعود إليه، وقال إنها مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية، لا لاستهداف الداخل. وهذا الموقف يوضح رواية الحزب، لكنه لا يُغني عن استكمال التحقيق لتحديد مسار الشحنة، والجهة التي كانت ستتسلمها، والغرض المحدد من نقلها، والمسؤوليات المرتبطة بها. فهذه أسئلة لا يحسمها البيان السياسي، ولا يجوز أن تُحسم مسبقاً باتهام الحزب بنية تنفيذ عمل داخلي، كما لا يجوز إقفالها لمجرد أن الحزب أعلن أن وجهتها عسكرية.

هنا تكمن العقدة الفعلية. فالقضية تقع في قلب الصراع على تعريف الدولة اللبنانية، إذ هل يحق للمؤسسات الشرعية أن تحقق في نقل المتفجرات وتحدد وجهتها ومسؤولياتها، أم أن الاعتبارات السياسية والأمنية المرتبطة بالحزب تفرض حدوداً على عملها؟ وهل يمكن الحديث عن سيادة وطنية مكتملة فيما تبقى ملفات السلاح والقرار الأمني موضع نزاع بين الدولة وقوة سياسية وعسكرية تمتلك أدواتها الخاصة؟

الأخطر أن الخطاب التصعيدي يأتي في لحظة شديدة الحساسية، يتداخل فيها الضغط الخارجي بشأن سلاح الحزب مع الخلاف الداخلي حول التفاوض مع إسرائيل، واستمرار الاحتلال والاعتداءات، وتراجع الثقة بين المكونات السياسية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح أي اتهام بالخيانة أو الارتهان للخارج، وأي تحذير من انفجار داخلي، قابلاً لتوسيع الشرخ بدلاً من احتوائه. ولا يعني ذلك أن الفتنة أصبحت حتمية، أو أن التصريحات تثبت وجود قرار بإشعالها، لكنه يعني أن استخدام لغة الانفجار في مواجهة الدولة يرفع منسوب المخاطر ويضيّق مساحة التسوية السياسية.

وإذا كان الحزب يعتبر أن هناك استهدافاً له ولبيئته، فإن الطريق إلى معالجة ذلك لا يكون برفع سقف التهديد، بل بتقديم الأدلة والاحتكام إلى القضاء. وإذا كانت السلطة مقتنعة بضرورة كشف حقيقة الشحنة، فعليها أن تثبت استقلالية التحقيق وشفافيته، وأن تبتعد عن التوظيف السياسي، وأن تطبق القانون على الجميع. وحده هذا المسار يستطيع منع القضية من التحول إلى مواجهة بين فريقين، أحدهما يتمسك بحق الدولة في التحقيق، والآخر يرى في التحقيق استهدافاً له.

إن التلويح بالفتنة ليس جديدًا في الخطاب اللبناني، ولا سيما في بلد دفع أثماناً باهظة نتيجة تحويل الخلافات السياسية إلى صدامات داخلية. ومن هنا، لا يجوز التعامل مع عبارة “الانفجار بات على الحافة” بوصفها مجرد تعبير انفعالي عابر، كما لا يجوز اعتبارها دليلاً قاطعاً على أن الانفجار سيقع. إنها إنذار سياسي يستوجب التهدئة والمساءلة معاً، لا الاستسلام للتهويل ولا تجاهل المخاطر.
فلبنان لا يحتاج إلى طرف يلوّح بالانفجار كي يثبت قوته، ولا إلى سلطة تتراجع خوفاً من المواجهة كي تثبت حكمتها. ما يحتاج إليه هو دولة لا تخضع للترهيب، ولا تمارس الانتقام، ولا تسمح بأن يصبح الأمن الوطني رهينة السجال السياسي. أما إذا كان كل تحقيق قابلاً لأن يتحول إلى أزمة، وكل مطالبة بحصرية السلاح إلى اتهام بالخيانة، وكل اعتراض إلى تهديد بانفجار داخلي، فإن السؤال لن يعود ما إذا كانت الفتنة قريبة من الوريد، بل من الذي يتحمل مسؤولية إبعادها عن لبنان.

فالحكومة مطالبة اليوم بألا يكون تاريخ 22 تشرين الأول كتاريخي 7 آب و2 آذار.