من مجلس معطّل إلى أربعة مجالس محلية.. هل تنقذ اللامركزية بيروت أم تقسّمها؟

بعد أكثر من عام على انتخاب مجلس بلدية بيروت، وصلت الخلافات داخله إلى حدّ الدعوة إلى استقالة أعضائه والبحث عن صيغة جديدة لإدارة العاصمة. الاجتماعات نادرة، والمشاريع تتعطل عند أصغر التفاصيل، فيما خرجت المناكفات من قاعة المجلس إلى سجال علني اتخذ أحيانًا طابعًا طائفيًا. فهل تكمن المشكلة في أعضاء المجلس وتحالفاتهم، أم في نظام بلدي يجعل إدارة بيروت محكومة أصلًا بتوزيع ملتبس للصلاحيات والمسؤوليات؟

 
في هذا السياق، برز طرح النائب وضاح الصادق إنشاء أربعة مجالس محلية منتخبة تشمل المزرعة والمصيطبة ورأس بيروت والأشرفية، على أن ينبثق منها مجلس مركزي يتولى الملفات المشتركة الكبرى، مثل النفايات والكهرباء والبنية التحتية. ويصرّ الصادق على أنه لا يقسم العاصمة إلى بلديات مستقلة، وإنما ينقل بعض القرارات الخدمية إلى الأحياء، مع إبقاء بيروت وحدة إدارية واحدة. غير أن مجرد الحديث عن توزيع العاصمة بين مجالس متعددة كان كافيًا لإحياء مخاوف قديمة من انتقال الانقسام السياسي والطائفي إلى خريطتها الإدارية.
 
عمليًا، الثابت أنّ المشكلة أوسع من الاختيار بين مجلس واحد وأربعة مجالس. فبيروت تحتاج إلى إدارة يمكن محاسبتها، وإلى صلاحيات لا تضيع بين جهة منتخبة وأخرى معيّنة، كما تحتاج إلى ضمان ألا تتحول اللامركزية إلى تفاوت مالي وإنمائي بين أحيائها. وبين مجلس بلدي موحد أثبت صعوبة عمله ومجالس محلية يُخشى أن تتحول إلى حدود مقنّعة، هل تمثل الصيغة الجديدة مخرجًا من الشلل أم مدخلًا إلى تقسيم العاصمة؟
 
العطل أقدم من المجلس
 
يختلف نظام بلدية بيروت عن النظام المعتمد في سائر البلديات اللبنانية. فالمادة 67 من المرسوم الاشتراعي الرقم 118 الصادر عام 1977 تنص على أن رئيس المجلس البلدي يتولى السلطة التنفيذية في البلدية، ثم تستثني بيروت وتسند هذه السلطة إلى المحافظ. وبذلك ينتخب سكان العاصمة مجلسًا يقرر، فيما يتولى محافظ معيّن تنفيذ قراراته وإدارة الجهاز البلدي. وقد أنتج هذا الاستثناء، على مدى عقود، نزاعًا متكررًا حول الجهة التي تملك القرار الفعلي ومن تتحمل مسؤولية تعطيله.

 
تظهر نتيجة هذا الفصل عند كل أزمة. يستطيع المجلس أن يحمل المحافظ مسؤولية عدم تنفيذ قراراته، فيما يستطيع المحافظ ردّ التعطيل إلى قرارات غير قابلة للتطبيق أو إلى مخالفات قانونية وإدارية. أما المواطن، فلا يعرف في نهاية المطاف إلى من يتوجه بالمحاسبة. فهو ينتخب أعضاء لا يملكون السلطة التنفيذية الكاملة، ولا يشارك في اختيار المسؤول الذي يتولى التنفيذ. لهذا لا يمكن تفسير أزمة المجلس الحالي بالخلافات الشخصية وحدها، حتى وإن ساهمت هذه الخلافات في تفاقمها، لأن النظام نفسه يسمح بتوزيع النفوذ وتبادل المسؤولية بدل جمع القرار والمحاسبة في جهة واضحة.
 
يقدم إنشاء مجالس محلية جوابًا جزئيًا عن هذه المعضلة. فالمجلس المنتخب على مستوى المنطقة يستطيع متابعة الإنارة والأرصفة والحدائق والصيانة والشكاوى اليومية بصورة أقرب إلى السكان، كما يصبح تحديد المسؤول عن التأخير أو التقصير أكثر سهولة. لكن إنشاء مجالس إضافية من دون منحها صلاحيات وموارد محددة قد يضيف طبقة جديدة إلى البيروقراطية القائمة، خصوصًا إذا بقيت السلطة التنفيذية في موقع، والمال في موقع ثانٍ، والقرار المحلي في موقع ثالث، ما من شأنه إحداث توسع في توزيع المسؤولية، بدل الإصلاح.
 
أربعة مجالس أم أربع بيروتات؟
 
لا تبدو المخاوف من تقسيم بيروت منفصلة عن تاريخ النقاش البلدي في العاصمة. فقد طُرحت خلال السنوات الماضية مشاريع لإنشاء بلديتين أو أكثر، وارتبط بعضها عمليًا بتوزيع الأحياء وفق توازناتها الطائفية والسياسية. غير أنّ الطرح الحالي مختلف لأنه يقترح مجالس أحياء تحت سقف مجلس مركزي واحد، إلا أن أسماء المناطق الأربع وحدودها ستبقى موضع تدقيق: هل رُسمت وفق حاجات خدمية وسكانية، أم أنها تعيد إنتاج خرائط النفوذ الانتخابي والطائفي بصيغة إدارية؟
 
يبرز كذلك سؤال المال. فأحياء بيروت لا تتساوى في قدرتها على توليد الرسوم، ولا في حجم حاجاتها السكنية والاجتماعية والبنى التحتية المتوافرة فيها. وقد يؤدي ربط كل مجلس محلي بإيرادات منطقته إلى تركيز الإنفاق في المناطق الأغنى، فيما تحتاج المناطق الأكثر كثافة وفقرًا إلى كلفة أعلى للخدمات والصيانة. لذلك لا يمكن فصل أي لامركزية داخل العاصمة عن صندوق مالي موحد وآلية واضحة لتوزيع الموارد، لأن وحدة بيروت لا تقاس بحدودها القانونية وحدها، وإنما أيضًا بحق سكانها في خدمات متقاربة مهما اختلفت المنطقة التي يقيمون فيها.
 
تحتاج العاصمة، في المقابل، إلى مستوى مركزي قوي لإدارة الملفات التي تتجاوز حدود الأحياء. فالنفايات والنقل والتنظيم المدني والإطفاء والبنى التحتية والعقود الكبرى لا يمكن تقسيمها بين إدارات صغيرة تتخذ قرارات منفصلة. الصيغة الأكثر توازنًا تقوم على مجالس محلية منتخبة تملك موازنات خدمية وصلاحيات محددة، ومجلس مركزي منتخب يحتفظ بالتخطيط والجباية وتوزيع الموارد والمشاريع المشتركة. ويكتمل ذلك بإعادة النظر في المادة 67، إما بنقل السلطة التنفيذية إلى رئيس المجلس المركزي، أو بوضع حدود ومهل واضحة لسلطة المحافظ في تنفيذ القرارات أو ردّها.
 
في النتيجة، لا تحتاج بيروت إلى استبدال شلل المجلس الواحد بمنافسة أربعة مجالس، ولا إلى إبقاء نظام أثبت قدرته على توزيع الصلاحيات وتعطيل المحاسبة. المطلوب إدارة محلية تقرّب القرار من الأحياء وتحافظ في الوقت نفسه على وحدة المال والتخطيط والخدمات. اللامركزية التي تنقذ العاصمة هي التي توزّع العمل وتوحّد المسؤولية، أما توزيع المجالس من دون ضوابط مالية وإدارية واضحة فيحوّل كل مجلس محلي إلى بيروت صغيرة بمواردها وزعاماتها وخلافاتها الخاصة.