هذا ما اكتشفته إسرائيل في لبنان

أيًّا تكن المخطّطات، التي تهدف إسرائيل إلى تحقيقها في لبنان من خلال قصفها العنيف والمدّمر للمناطق المستهدفة، فإنها اكتشفت بأن ما تسعى إليه على أرض الواقع مخالف تمامًا لما اعتقدته، واهمةً، سهل المنال. فما تواجهه من مقاومة لا تزال “شرسة” حتى الساعة، وباعتراف إسرائيل نفسها، التي اعتقدت أن جيشها قادر على التوغّل برًّا إلى أقصى مدى في ظرف ساعات. إلاّ أن جهوزية “المقاومة الإسلامية” في القرى الحدودية فاجأت الإسرائيليين، وجعلتهم يعيدون حساباتهم الميدانية، ودفعتهم إلى تغيير تكتيكاتهم الحربية. إلاّ أن هذا الأمر المفاجئ وغير المنتظر لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستتخّلى عمّا خطّطت له، وإن كانت “صواريخ الثأر” قد أعطتها حجّة فوق حجّة، لتنفيذ ما لم تستطع تنفيذه في حربها الأخيرة، والتي انتهت بوضع يد تل أبيب على خمس تلال تعتبرها استراتيجية لضمان أمنها الشمالي. وبدلًا من خمس تلال فإنها تسيطر اليوم، وبعد 12 يومًا على بدء حرب “زئير الأسد”، على 18 موقعًا في الأراضي اللبنانية. وهي ماضية، وفق التحليلات العسكرية، إلى أبعد من الاكتفاء بوضع يدها على هذه المواقع الـ 18.  
وهو ما أظهر بأن الرأي الثاني، الذي يتكوّن بشكل أساسي من القيادة العسكرية للحرس الثوري، هو الذي يمسك بقرار الحرب، وهو يرفض سلوك أي مسارات تفاوضية أو مرنة. وهو من دفع باتجاه انتخاب مجتبى خامنئي لموقع القيادة، في سياق توجيه رسالتين: الأولى بأن النظام لا يزال متماسكاً، والثانية بأن خيار القيادة الإيرانية هو التشدد والتمسك باستراتيجية خامنئي الأب.
وعلى رغم التزام واشنطن بفصل لبنان عن أي تسوية من المحتمل أن تحصل مع إيران، ومنح نتنياهو الضوء الأخضر لإنجاز “المهمة المطلوبة في لبنان”، فإن ثمة معطيات كثيرة تؤكد أن القيادة العسكرية للحرس الثوري هي من تولّى دفع “حزب الله” في اتجاه فتح الجبهة اللبنانية، من خلال إطلاق الصواريخ من منطقة الصرفند وتبنيه مسؤولية هذه العملية ببيان رسمي، تبيّن لاحقًا في التبريرات أن “الحزب” ومن هم وراءه كانت لديهم معلومات أكيدة عن التحضيرات الإسرائيلية للقيام بعدوان مباغت على لبنان. وهذا ما اعترفت به أوساط ديبلوماسية، خصوصًا لجهة اكتمال الملف الحربي قبل أشهر عدة، وإن كانت تل أبيب تفضّل توقيتاً آخر للتفرغ عسكرياً للجبهة الإيرانية.
 وبحسب الاعتقاد السائد فإن قيادة الحرس الثوري دفعت “حزب الله” إلى فتح الجبهة اللبنانية بهدف إشغال إسرائيل، ولو بنسبة معينة بجبهة أخرى، ومنعها من التركيز الكامل على إيران.
لكن ما كشفته الأيام الأولى من المواجهة لم يكن محصورًا فقط في طبيعة الدور الذي لعبته القيادة العسكرية للحرس الثوري الإيراني في إدارة إيقاع الجبهة اللبنانية عبر “حزب الله”، بل في ما اكتشفته إسرائيل نفسها من حقائق ميدانية لم تكن في حسبانها. فقد تبيّن للقيادة العسكرية الإسرائيلية أن القرى الحدودية تحولت خلال خمسة عشر شهرًا إلى ما يشبه شبكة دفاعية مترابطة، تسمح للمجموعات المقاتلة بالتحرك والقتال بطريقة لا مركزية، الأمر الذي يجعل أي توغل بري سريع مغامرة مكلفة بشريًا وعسكريًا. وهذا ما يفسّر انتقال إسرائيل من محاولة الحسم السريع إلى اعتماد سياسة السيطرة التدريجية على التلال والمواقع الاستراتيجية، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة بدلًا من تحقيق اختراق واسع لم يتحقق حتى الآن.
من هنا يمكن القول إن ما اكتشفته إسرائيل في لبنان لا يقتصر على طبيعة القدرات القتالية لـ “حزب الله”، بل يتجاوز ذلك إلى واقع أكثر تعقيدًا. فقد تبيّن لها أن المواجهة على جبهته الشمالية ليست نزهة عسكرية يمكن حسمها في أيام قليلة، كما كان يعتقد بعض قادتها، بل حرب استنزاف مفتوحة على احتمالات متعددة. وفي المقابل، اكتشفت أيضًا أن لبنان الرسمي، بضعف مؤسساته وانقساماته السياسية، غير قادر حتى الآن على الإمساك بقرار الحرب والسلم، الأمر الذي يجعل البلد ساحة تتقاطع فوق أرضها حسابات القوى الإقليمية، وفي مقدمها حسابات الحرس الثوري الإيراني. وبين هاتين الحقيقتين، تبدو المعادلة اللبنانية أكثر هشاشة من أي وقت مضى في معادلة معقدّة تتراوح بين خيارات “المقاومة الإسلامية” المستعدة للقتال حتى النهاية، وبين تصميم إسرائيل على تغيير موازين القوى القائم، وبين دولة تقف في الوسط عاجزة عن منع انزلاق البلاد إلى حرب قد تكون الأخطر في تاريخها الحديث.