حرب بلا تعريف للنصر
تشير المجلة في تحليلها إلى أن أي حرب لا يمكن تبريرها من دون هدف سياسي واضح وإستراتيجية واقعية قابلة للتحقق بكلفة مقبولة، إلا أن المقاربة الأميركية تجاه إيران تبدو بعيدة عن هذا التوازن.
فالأهداف التي طُرحت تراوحت بين إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وضرب قدراتها الصاروخية والبحرية، وصولًا إلى إسقاط النظام، وهو تباين، رغم ظهوره متكاملًا، يعكس في جوهره غياب ترتيب واضح للأولويات، وفق قراءة المجلة.
وتحذّر من أن هذا المسار يقود إلى ما يُعرف بـ”إزاحة الهدف”، حيث تتحول العمليات العسكرية إلى غاية بحد ذاتها، محققة إنجازات ميدانية، لكنها منفصلة عن الهدف السياسي النهائي.
“جزّ العشب”
في تفكيكها لمسار الحرب، ترى المجلة أن الخيار الأقصى، أي تغيير النظام، يبدو بعيد المنال، إذ إن الضربات العسكرية، بدل إضعاف السلطة، أسهمت في تعزيز تماسكها الداخلي ورفع مستوى العداء تجاه الولايات المتحدة.
أما الخيار الأدنى، المتمثل في إضعاف مستمر عبر ضربات متكررة، فلا يقدّم حلًا طويل الأمد، بل يرسّخ حالة صراع مفتوح يتم فيه احتواء التهديد بدل إنهائه، بحسب التحليل.
وتشير إلى أن هذا النهج، المعروف بـ”جزّ العشب”، يقوم على فرضية أن الضربات المتكررة تحدّ من إعادة بناء القدرات الإيرانية، لكنه يتجاهل قدرة طهران على التكيّف، إلى جانب تصاعد دوافع الرد لديها.
الردع المعكوس
يرى التحليل أن الحرب، رغم تأثيرها في تقليص بعض القدرات الإيرانية، قد ترفع في المقابل احتمالات استخدامها، إذ إن الضربات المباشرة واستهداف القيادات يعززان لدى إيران الدافع للرد، سواء بوسائل مباشرة أو غير مباشرة.
كما يلفت إلى احتمال لجوء طهران إلى استهداف مصالح أمريكية بطرق غير تقليدية، ما يفتح المجال أمام تصعيد تدريجي يصعب ضبطه.
إلى ذلك، تدفع الضربات المتكررة إيران إلى تطوير أساليب أكثر تعقيدًا لإخفاء قدراتها، ما يحدّ من فاعلية العمليات المستقبلية ويجعل تقييم نتائجها أكثر صعوبة.
خيارات غير قابلة للتطبيق
ترى المجلة أن إنهاء التهديد الإيراني يتطلب أحد خيارين: تسوية سياسية موثوقة أو تدخلًا عسكريًا شاملًا، لكن كلا الخيارين يواجه عوائق كبيرة.
فالخيار التفاوضي بات أضعف نتيجة تراجع الثقة، لا سيما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي وتنفيذ ضربات خلال فترات التفاوض.
أما الخيار العسكري الواسع، فيُعد شبه مستحيل بسبب تعقيدات إيران الجغرافية وحجمها، فضلًا عن الكلفة البشرية والاقتصادية المرتفعة.
وبذلك، تبدو واشنطن، وفق التحليل، عالقة بين خيار غير قابل للتطبيق وآخر غير قابل للاستدامة.
تكلفة تتجاوز ساحة المعركة
لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة العالمية، فبحسب المجلة، تكبدت الولايات المتحدة بالفعل مليارات الدولارات خلال الأسابيع الأولى من الحرب، إلى جانب ضغوط متزايدة على مخزوناتها من الأسلحة المتقدمة.
كما أن الانخراط العميق في الصراع مع إيران قد يأتي على حساب أولويات إستراتيجية أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا أو التنافس مع الصين، وهو ما يعيد توزيع الموارد الأمريكية بطريقة قد تضعف موقعها العالمي.
وتشير قراءة المجلة إلى أن بعض القرارات، مثل تخفيف القيود على إمدادات النفط العالمية، تعكس بالفعل هذا التوتر بين إدارة الأزمة الحالية والحفاظ على توازنات أوسع.
نافذة تفاوض ضيقة
رغم أن الحل التفاوضي يظل نظريًا الخيار الأكثر استدامة، إلا أن فرص تحقيقه تبدو محدودة، فأي اتفاق جديد سيتطلب درجة من الثقة المتبادلة، وهو ما تضرر بشدة خلال السنوات الماضية، سواء بسبب الانسحاب من الاتفاق السابق أو العمليات العسكرية التي نُفذت أثناء مسارات تفاوضية.
ورأت المجلة أن فرض شروط على إيران في ظل هذا السياق لن يؤدي إلى اتفاق مستقر، بل قد يعمق حالة المواجهة.
تقليص القوة وتعظيم المخاطر
في المحصلة، تخلُص “فورين أفيرز” إلى أن الحرب حققت نتيجة مزدوجة، فقد “خفضت من قدرة إيران على تنفيذ هجمات واسعة النطاق، لكنها رفعت في المقابل من احتمال لجوئها إلى استخدام أدوات أقل قوة وأكثر خطورة من حيث التوقيت والطبيعة”.
وبذلك، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة، مفادها: “نجاح تكتيكي لا يتحول إلى مكسب إستراتيجي، وصراع مفتوح قد يستمر دون أفق واضح للإنهاء”.
وفي ظل غياب إستراتيجية تربط بين الهدف والوسيلة، يحذّر التحليل من أن الولايات المتحدة قد تكون دخلت حربًا لا تعرف كيف تنهيها، ولا ما الذي يشكّل فيها “نصرًا” حقيقيًا. (آرم نيوز)











اترك ردك