هل اقتربت “القوات” من ساعة الحساب مع حكومة سلام؟

في كلمته الأخيرة، ركّز رئيس حزب “القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع على شعار “فجر السيادة” وعلى قيام دولة «تحزم وتجزم في قراراتها”، وهاجم منطق الدولة التي لا تستطيع أن تحسم قرارها، في مقابل رفضه لـ “دويلة تتورط بحروب الآخرين”. وهذا الكلام لا يمكن فصله عن موقف “القوات” من ملف حصرية السلاح، ومن طريقة إدارة الحكومة لهذا الملف، خصوصاً أن الحكومة سبق أن أعلنت التزامها بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، كما أقرّت خطة الجيش في هذا الاتجاه.

الأهم أن جعجع لا يهاجم الحكومة من موقع المعارضة التقليدية؛ فهو كان حتى وقت قريب يعطيها دعماً سياسياً واضحاً في مسار استعادة الدولة والسيادة، بل إن وفداً من “الجمهورية القوية” نقل في حزيران الماضي دعماً كاملاً لمواقف الرئيس نواف سلام ولمسار الحكومة في هذا المجال. لذلك فإن انتقال الخطاب القواتي الآن إلى لهجة أكثر تشدداً يمكن أن يعني شيئاً مختلفاً، وهي أن  الحكومة لم تعد تحصل على شيك سياسي على بياض، بل أصبحت مطالبة بإثبات قدرتها على تنفيذ ما تعهّدت به.
وهنا تحديداً يمكن فهم اتجاه الخطاب إلى بعبدا والسراي معاً. فجعجع يعرف أن قرار حصرية السلاح ليس قراراً حكومياً فقط، بل هو قرار سياسي متكامل تشترك في تحمّل مسؤوليته رئاستا الجمهورية والحكومة ومجلس الوزراء والمؤسسات العسكرية والأمنية. وبالتالي، عندما يرفع جعجع شعار الدولة القادرة على “الحزم والجزم”، فهو لا يوجه الرسالة إلى “حزب الله” وحده، بل يضع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة أمام مسؤولية ترجمة القرارات إلى أفعال.
لكن هل يعني ذلك أن “القوات” تستعد لإسقاط الحكومة؟
أوساط قريبة من “معراب” تقول إنه ليس بالضرورة، وربما العكس هو الصحيح في هذه المرحلة. فإسقاط حكومة نواف سلام يحتاج إلى أكثر من خطاب مرتفع السقف. يحتاج إلى قرار سياسي بالانسحاب أو حجب الثقة أو تعطيل عمل الحكومة، وإلى حسابات نيابية دقيقة، وإلى بديل واضح. ولا تبدو “القوات” حتى الآن وكأنها طرحت بديلاً حكومياً أو أعلنت الانتقال إلى مواجهة هدفها إسقاط الحكومة.

الأقرب هو أن جعجع يريد إعادة ضبط العلاقة مع السلطة، أي دعم الحكومة إذا كانت تنفذ مشروع الدولة، والضغط عليها إذا بقيت القرارات في إطار البيانات والخطط من دون نتائج ملموسة. وهذا يفسر لماذا يصبح توقيت الخطاب مهماً. فمع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية، ومع استمرار الحرب الإسرائيلية والضغط الأميركي والدولي في ملف سلاح “حزب الله”، تصبح قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات سيادية حاسمة عاملاً أساسياً في رسم صورة المرحلة المقبلة.
وهناك بعد آخر لا ينبغي تجاهله، وهو أن جعجع يخاطب أيضاً جمهوره المسيحي واللبناني الأوسع. فالاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس “القوات” لم يكن مناسبة حزبية بحتة، بل محاولة لإعادة تقديم “القوات” بوصفها قوة سياسية تحمل مشروعاً للدولة، وليس مجرد حزب يعارض “حزب الله”. ولذلك فإن مهاجمة التردد الرسمي تخدم هذا التموضع. فإذا نجحت الدولة، تستطيع “القوات” القول إنها دعمت قيامها؛ وإذا فشلت، تستطيع القول إنها حذرت من الفشل منذ البداية.
لذلك فإن التعبير الأدق ليس لمواقف جعجع ليس تمهّيدا لإسقاط الحكومة، بل لرفع السقف في وجه بعبدا والسراي، ولمنح الحكومة فرصة أخيرة لإثبات قدرتها على تنفيذ مشروع الدولة قبل الانتقال إلى معارضة أكثر شراسة.
وهنا يصبح السؤال السياسي الأكثر إثارة: هل يريد جعجع إسقاط حكومة نواف سلام، أم يريد إجبارها على إسقاط التوازنات التي تمنعها من أن تصبح حكومة قرار؟
وإذا بدأت “القوات” لاحقاً بالانتقال من الخطاب إلى خطوات نيابية عملية، أي إعادة تقييم المشاركة، وتصعيد داخل مجلس النواب، والتنسيق مع كتل أخرى، أو التلويح صراحة بحجب الثقة، عندها يمكن القول إن خطاب “معراب” لم يكن مجرد رفع سقف، بل كان بالفعل بداية مسار لإسقاط الحكومة قبل أن تقترب من موعد إطفاء شمعتها الأولى كأول حكومة في عهد الرئيس جوزاف عون.