لقد سلط التقرير الضوء على ضعف آليات المحاسبة، بما في ذلك الرقابة الداخلية، والتدقيق الخارجي، والشفافية المالية، التي لا تواكب المعايير الدولية، مما يسهّل عمليات غير تقليدية أو “هندسات مالية”. وفي خلاصة ملاحظاته، يدعو صندوق النقد إلى ورشة تشريعية شاملة لإصلاح مصرف لبنان، تشمل إعادة النظر بآليات تعيين الحاكم ونوابه، وإعادة توزيع الصلاحيات داخل المجلس المركزي والإدارة التنفيذية، مع تعزيز استقلالية المصرف، وفصل واضح بين من يدير ومن يراقب، وتطبيق معايير شفافية ومحاسبة قوية. ويبرز التقرير بوضوح أنّ الإصلاح المؤسساتي لمصرف لبنان أصبح شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة المحلية والدولية بالقطاع المالي.
بالنسبة الى استاذ الاقتصاد السياسي محمد موسى، لم يعد ممكناً مقاربة أزمة مصرف لبنان باعتبارها مجرد أزمة سيولة أو انهيار مالي ناجم عن تراكم الدين العام وتراجع التدفقات النقدية، لأن ما كشفت عنه تقارير صندوق النقد الدولي والتدقيقات المتتالية يؤكد أن جوهر الأزمة أعمق بكثير، ويتعلق ببنية الحوكمة نفسها داخل المصرف المركزي وآليات اتخاذ القرار والرقابة والإفصاح.
ان الإصلاح الحقيقي، بحسب موسى لا يبدأ بضخ الأموال أو بإعادة هيكلة الأرقام فقط، بل يبدأ أولاً بالحوكمة والشفافية، ورفع الحصانات، وتحديد الصلاحيات، ومنع التجاوزات، وإعادة بناء مفهوم المساءلة داخل المؤسسة النقدية الأكثر حساسية في الدولة اللبنانية. إذ إن أي محاولة للإنقاذ المالي من دون إصلاح إداري وقانوني عميق ستبقى مجرد إعادة إنتاج للنموذج الذي قاد إلى الانهيار.
وعليه، يوجّه التقرير الدولي عملياً اتهاماً واضحاً إلى نموذج الإدارة الذي حكم المصرف المركزي طوال العقود الماضية، حيث تركزت السلطات النقدية والمالية بيد الحاكم ضمن نظام شديد المركزية وضعيف الرقابة الداخلية، فالمشكلة، كما يقول الدكتور موسى، لم تكن فقط في السياسات النقدية المتبعة، بل في غياب التوازن المؤسسي داخل عملية اتخاذ القرار، بحيث تحوّل الحاكم إلى محور السلطة التنفيذية والرقابية في آن معاً. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يشكّل المجلس المركزي هيئة رقابية وتقريرية مستقلة نسبياً، كان الحاكم نفسه يرأس المجلس ويمتلك التأثير الأكبر على جدول الأعمال والمعلومات والقرارات، ما جعل الفصل بين السلطة التنفيذية والرقابة شبه غائب عملياً.
لقد سمحت هذه البنية بظهور ما يمكن وصفه، بحسب موسى، بـ”شخصنة القرار النقدي”، أي انتقال السياسة النقدية من إطار مؤسساتي جماعي إلى إدارة ترتبط إلى حد كبير بخيارات فردية واسعة الصلاحيات. وهذا يفسر كيف أمكن تمرير سياسات مالية ونقدية ضخمة، من بينها الهندسات المالية، من دون وجود آليات تدقيق مستقلة قادرة على محاسبة القرار أو تقييم مخاطره بصورة شفافة. فقد تحوّلت الهندسات، التي رُوّج لها على أنها أدوات استثنائية لحماية الاستقرار النقدي، مع الوقت إلى نموذج مكلف لإخفاء الخسائر وتأجيل الانفجار، فيما كانت الفجوة المالية تتضخم داخل النظام المصرفي والدولة معاً.
ومن هنا يأتي تركيز صندوق النقد على مسألة الإفصاح المحاسبي والشفافية المالية، لأن الأزمة، كما يقول موسى، لم تكن فقط في الخسائر، بل أيضاً في طريقة عرضها وإدارتها داخل البيانات المالية. فعندما يشير التقرير إلى ضعف الشفافية، فهو يلمّح إلى أن بعض العمليات والتزامات المصرف المركزي لم تكن تظهر بالصورة الكاملة التي تسمح للأسواق والرأي العام والجهات الرقابية بفهم الحجم الحقيقي للمخاطر. وهذا الأمر ضرب صدقية المصرف المركزي داخلياً وخارجياً، إذ تقوم الثقة بالمصارف المركزية أساساً على وضوح البيانات واستقلالية القرار وقدرة المؤسسات على التدقيق والمحاسبة.
في موازاة ذلك، يطرح التقرير إشكالية العلاقة المعقدة بين الحكومة والمصرف المركزي. فوجود ممثلين عن الحكومة داخل المجلس المركزي، وإن كان يهدف نظرياً إلى التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، ساهم، كما يقول موسى، في الحالة اللبنانية في تداخل المصالح السياسية بالقرار النقدي، خصوصاً في ظل اعتماد الدولة لعقود على التمويل غير المباشر من المصرف المركزي لتغطية العجز وتمويل الإنفاق العام. ولذلك تبدو استقلالية مصرف لبنان في التجربة اللبنانية استقلالية ملتبسة؛ فهو لم يكن خاضعاً بالكامل للحكومة، لكنه أيضاً لم يكن مستقلاً كمؤسسة محكومة بضوابط جماعية صارمة، بل أقرب إلى استقلالية الحاكم نفسه داخل نظام سياسي هش.
كذلك، فإن قانون النقد والتسليف، رغم أهميته التاريخية، يظهر اليوم عاجزاً عن مواكبة التعقيدات الحديثة للقطاع المالي والنقدي، خصوصاً أنه يمنح صلاحيات واسعة جداً للحاكم من دون إنشاء منظومة رقابة متوازنة وفعالة داخل المصرف. وهذا ما جعل العديد من القرارات الكبرى تمر ، كما يقول موسى، ضمن هامش قانوني واسع يفتقر إلى الضوابط المؤسسية الحديثة التي تعتمدها المصارف المركزية الكبرى حول العالم، حيث توجد لجان مستقلة للتدقيق وإدارة المخاطر والسياسة النقدية، إضافة إلى آليات مساءلة واضحة ومحددة.
من هنا، فإن الإصلاح المطلوب اليوم لا يمكن اختصاره بإجراءات تقنية أو إدارية فقط، لأنه يمس جوهر التوازن السياسي والمالي الذي حكم لبنان طوال العقود الماضية. فإعادة هيكلة مصرف لبنان تعني عمليا، وفق موسى إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة نفسها، وتقييد القدرة على استخدام المصرف المركزي كأداة لتمويل السلطة أو إدارة التسويات المالية بعيداً عن الرقابة. ولذلك يربط صندوق النقد الدولي بشكل واضح بين أي برنامج دعم مالي للبنان وإصلاح الحوكمة داخل المصرف المركزي، باعتبار أن ضخ الأموال من دون تغيير قواعد الإدارة والرقابة سيؤدي ببساطة إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها، وفي حال سلكت الإصلاحات طريقها الفعلي، سيتغير دور الحاكم جذرياً مقارنة بما كان عليه تاريخياً. فالحاكم لن يبقى مركز القرار شبه المطلق، بل سيصبح، بحسب قراءة موسى، جزءاً من منظومة مؤسساتية أكثر توازناً، تخضع فيها السياسات النقدية لرقابة داخلية وخارجية أوضح، وتُحدد فيها الصلاحيات بطريقة تمنع التفرّد بالقرار أو تجاوز المؤسسات. وهذا يعني أن لبنان قد يكون فعلاً أمام مرحلة إعادة تأسيس كاملة لدور مصرف لبنان بعد الانهيار، ليس فقط على المستوى المالي، بل على مستوى مفهوم الدولة النقدية نفسها، حيث تصبح الحوكمة والإفصاح والمحاسبة شروطاً لبقاء أي نظام مالي قابل للحياة.











اترك ردك