ترامب وحسابات “النصر”
يرى مراقبون أنه لا يمكن فهم هذا الاتفاق بمعزل عن السياق الأميركي الداخلي. فالرئيس دونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض، يبحث بنهم عن انتصارات قابلة للتسويق، وعن ملفات يستطيع أن يُعلن إغلاقها أمام ناخبيه. وقد باتت ظاهرة “إنهاء الحروب” من سمات أسلوبه السياسي، سواء أُغلقت فعلاً أم لا، خصوصاً مع اقتراب استحقاق الانتخابات النصفية التي يجد صعوبة في ضمان فوز حزبه بها، ناهيك عما يلقاه من معارضة في الكونغرس وداخل حزبه.
نتنياهو: مكسب سياسي بلا رصيد ميداني
شبح الفتنة
الخطر الأكثر إلحاحاً هو الخطر الداخلي. فالأتفاق جدّد مخاوف جدية من احتمالات الفتنة إذا ما سُعي إلى تطبيقه قسراً. فاللبنانيون لا يحتاجون إلى التاريخ البعيد ليتذكروا كيف تتحول الخلافات السياسية الحادة إلى توترات أمنية، وكيف تبدأ التظاهرات احتجاجاً وتنتهي مواجهات وقطيعة. ذلك أن الضغط على مكوّن شيعي واسع ومتجذّر يرفض هذا الاتفاق، من دون معالجة جذور رفضه، ليس حلاً، بل هو وصفة جاهزة لأزمة أعمق، لا سيما أن الاتفاق الإطار لا يلحظ “انسحاباً” إسرائيلياً من الأراضي اللبنانية المحتلة، بل يتحدث عن “إعادة انتشار” للقوات الإسرائيلية على مراحل، وتبعاً لما سيتحقق من نزع سلاح “حزب الله” من “كل الأراضي اللبنانية”، وليس جنوب الليطاني فقط، وكل ذلك من دون جدول زمني للانسحاب أو حتى “إعادة الانتشار”.
إيران: الشريك الغائب الحاضر
الجيش اللبناني في مواجهة المعادلة المستحيلة
في ضوء ما تقدم، يجد الجيش نفسه مرة أخرى في موقع محرج. فأي ضغط لتطبيق الاتفاق على الأرض سيضعه أمام خيارات بالغة الحساسية: إما الصدام مع بيئة شعبية واسعة، وإما التقصير في تنفيذ التزامات دولية. وفي الحالتين، تتضرر مؤسسة الجيش، وهي المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكاً والأقل احتمالاً لتحمّل كلفة هذه الارتدادات. وقد قيل الكثير عن “تمايز” في المواقف بين القيادتين العسكرية والسياسية في مقاربة ما كان يدور في واشنطن من مفاوضات وما تلاها من قرارات ، على رغم النفي المتكرر الذي اعلنته مرجعيات رسمية .
درسٌ من 17 أيار
في الخلاصة، يرى مراقبون وسياسيون من ذوي الخبرة أنه يصعب الإفلات من المقارنة التاريخية مع اتفاق 17 أيار 1983 الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل برعاية أميركية في عهد الرئيس أمين الجميل، وانتهى إلى الإلغاء تحت وطأة الرفض الداخلي والضغوط الإقليمية. صحيح أن الظروف مختلفة اليوم، وأن موازين القوى الإقليمية تبدّلت؛ فالنظام السوري تغيّر، ومعمر القذافي لم يعد موجوداً، والاتحاد السوفياتي ذاب، والتأثير الفلسطيني انحسر، و”الحركة الوطنية” باتت أثراً بعد عين… إلا أن المنطق السياسي ذاته لا يزال حاضراً: أي اتفاق يُبرم من دون توافق وطني لبناني حقيقي، ويتجاهل قوى فاعلة على الأرض، مصيره الإجهاض.
من هنا، يرى “العقلاء” من أهل السياسة أنه تقع على عاتق الحكم اللبناني، ولا سيما رئيس الجمهورية الذي يتمتع بحضور مميز لدى اللبنانيين ولديه ما يكفي من الدعم الإقليمي والدولي، مسؤولية تاريخية عاجلة: المبادرة الفورية إلى الحوار الداخلي، واستيعاب الموقف، والحد من تعميق الانقسام، وإعادة وصل ما انقطع مع المكوّن الشيعي قبل أن يتصلّب التباعد ويتحول إلى قطيعة لن تُكبّل السياسة وحدها، بل قد تُشعل الشارع وتُعيد لبنان إلى دوامة أزماته الأمنية. وللمرة الألف في تاريخه، يقف لبنان أمام خيار بسيط في صياغته ومعقّد في تنفيذه: التوافق أو الانهيار !









اترك ردك