اجتماع طهران… بداية رسم شرق أوسط جديد؟

على الرغم من التوترات العسكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة، والمخاوف المتزايدة من اندلاع مواجهة واسعة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، فإن التطور الذي شهدته طهران أمس، والمتمثل في الاجتماع الذي جمع إيران بكل من تركيا وباكستان والسعودية، يحمل في طياته مؤشرات إيجابية تتجاوز بكثير مسألة التهدئة العسكرية أو محاولة منع اندلاع حرب جديدة.

فإذا صحت المعطيات المتعلقة بطبيعة هذا الاجتماع وأهدافه، فإن المنطقة قد تكون أمام بداية تحوّل استراتيجي بالغ الأهمية، عنوانه استعداد القوى الإقليمية الأساسية للبحث في كيفية إدارة الشرق الأوسط في مرحلة قد تشهد تراجعًا كبيرًا في النفوذ الأميركي، أو حتى انكفاء الولايات المتحدة الأميركية عن بعض الملفات التي احتكرت إدارتها طوال العقود الماضية.

أهمية هذا اللقاء لا تكمن فقط في جمع أربع دول تمتلك ثقلاً سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا كبيرًا، بل في طبيعة المصالح التي يمكن أن تجمعها، رغم التباينات والخلافات القائمة بينها. فهذه الدول تدرك أن استمرار الصراع الإقليمي، واستنزاف قدراتها في مواجهات مفتوحة، لن يخدم مصالح أي منها، خصوصًا إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة واشنطن على فرض التوازنات السابقة.

ومن هنا، فإن اختصار الاجتماع بمحاولة وساطة بين طهران وواشنطن سيكون قراءة ناقصة للمشهد. صحيح أن منع الحرب قد يكون أحد العناوين الأساسية، لكن الأهم هو احتمال وجود نقاش جدي حول ترتيبات إقليمية مستقبلية، تقوم على تفاهمات مباشرة بين القوى الأكثر تأثيرًا، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة الأميركية.

وفي حال انتهت أي مواجهة عسكرية مقبلة إلى تراجع النفوذ الأميركي، أو عجز واشنطن عن فرض شروطها، فإن مفتاح الاستقرار لن يكون بيد قوة خارجية، بل سيتطلب بالضرورة تفاهمًا بين دول الإقليم نفسها، وفي مقدمتها إيران والسعودية وتركيا وباكستان.

وهذا التحول، إن حصل، لن تبقى تداعياته محصورة بالدول الأربع، بل سيمتد إلى مختلف الساحات الإقليمية، من الخليج إلى العراق وسوريا واليمن وصولًا إلى لبنان. فالسعودية وتركيا تمتلكان قدرة فعلية على التأثير في عدد كبير من الملفات السياسية والأمنية، وأي تفاهم واسع مع إيران قد يفتح الباب أمام تسويات كانت تبدو مستحيلة خلال السنوات الماضية.

لكن الجانب الأكثر أهمية في هذا المشهد يتعلق بإسرائيل، التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في الترتيبات الأمنية والسياسية للشرق الأوسط، مستفيدة من الدعم الأميركي والتفوق العسكري الذي تتمتع به.

فمجرد اجتماع هذه القوى الإقليمية الأربع للبحث في مستقبل المنطقة، من دون مشاركة إسرائيل، يحمل دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها. إذ إن الدول الأكثر تأثيرًا في الإقليم قد تبدأ بالتعامل مع أمن المنطقة واستقرارها باعتبارهما مسؤولية مشتركة، لا تستوجب بالضرورة حضور تل أبيب أو موافقتها.

وهذا لا يعني أن الدور الإسرائيلي سيتراجع فورًا، أو أن الخلافات بين هذه الدول قد انتهت، لكنه يشير إلى احتمال نشوء مسار سياسي جديد، قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تقليص قدرة إسرائيل على فرض نفسها طرفًا أساسيًا في كل معادلة إقليمية.

قد لا ينتج اجتماع طهران اتفاقًا حاسمًا، وقد تحتاج التفاهمات المحتملة إلى سنوات حتى تتبلور. لكن مجرد انطلاق نقاش من هذا النوع، إذا تأكدت أهدافه، يعني أن دول المنطقة بدأت تفكر جديًا في اليوم التالي للهيمنة الأميركية، وفي إمكانية بناء توازنات جديدة لا تكون إسرائيل بالضرورة في مركزها.