ان استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية يشكل بحسب استاذ الاقتصاد السياسي محمد موسى، تطوراً اقتصادياً وسياسياً بالغ الأهمية في توقيت دقيق يمرّ به لبنان، ليس فقط بسبب القيمة المباشرة للتبادل التجاري بين البلدين، بل أيضاً لما يحمله القرار من مؤشرات تتعلق بمستقبل العلاقات اللبنانية – الخليجية وفرص التعافي الاقتصادي.
فالسوق السعودية، وفق موسى، كانت تاريخياً من أهم الأسواق العربية للمنتجات اللبنانية، إذ بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى المملكة قبل قرار الحظر الذي فُرض عام 2021 نحو 250 إلى 300 مليون دولار سنوياً، وفق تقديرات السنوات الأخيرة التي سبقت الأزمة، فيما كانت المملكة تستحوذ على حصة وازنة من الصادرات الزراعية والصناعات الغذائية اللبنانية، فضلاً عن كونها بوابة أساسية إلى أسواق الخليج العربي الأوسع.
وتكمن أهمية السوق السعودية في كونها، كما يقول موسى، أكبر اقتصاد عربي يتجاوز حجمه تريليون دولار، ويضم أكثر من 38 مليون مستهلك يتمتعون بقدرة شرائية مرتفعة مقارنة بمعظم الأسواق الإقليمية. كما اكتسبت المنتجات اللبنانية، عبر عقود، حضوراً وسمعةً جيدة لدى المستهلك السعودي، سواء في القطاع الزراعي أو الصناعات الغذائية أو المنتجات الدوائية وبعض الصناعات التحويلية، ما يجعل استعادة هذا السوق فرصة مهمة للمنتجين اللبنانيين الذين عانوا خلال السنوات الماضية من انكماش الأسواق الخارجية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
ومن المتوقع أن يكون القطاع الزراعي، بحسب موسى، في طليعة المستفيدين من القرار، ولا سيما منتجو التفاح والحمضيات والعنب والخضار الطازجة، إلى جانب الصناعات الغذائية والمعلبات والحلويات وزيت الزيتون والمنتجات الدوائية والصناعات البلاستيكية والكيماوية. كما ستستفيد قطاعات النقل والتوضيب والتغليف والخدمات اللوجستية المرتبطة بسلاسل التصدير، الأمر الذي قد يساهم في تحريك عجلة النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل إضافية في عدد من المناطق اللبنانية.
إلا أن أهمية القرار تتجاوز بكثير أبعاده التجارية المباشرة. فالرسالة السياسية التي يحملها،كما يؤكد موسى، لا تقل أهمية عن أثره الاقتصادي، إذ تعكس وجود استعداد سعودي لإعادة فتح نافذة تعاون مع لبنان، وتشير إلى أن المملكة لا تزال تنظر إلى استقرار لبنان الاقتصادي باعتباره جزءاً من استقرار المنطقة. كما يحمل القرار في طياته إشارة إلى أن أي تقدم تحققه الدولة اللبنانية في ضبط الحدود ومكافحة التهريب وتعزيز الرقابة على الصادرات يمكن أن ينعكس إيجاباً على علاقاتها مع الدول العربية.
وفي هذا السياق، يشكّل استئناف التصدير نوعاً من الاختبار المستمر لقدرة الدولة اللبنانية على الحفاظ على معايير الرقابة المطلوبة. فالقرار السعودي،وفق موسى، جاء بعد سنوات من المخاوف المرتبطة بعمليات التهريب، ما يعني أن استدامة هذه الخطوة ستكون مرتبطة بقدرة الأجهزة اللبنانية على منع تكرار المخالفات التي أدت سابقاً إلى إغلاق السوق السعودية أمام بعض المنتجات اللبنانية. ومن هنا، فإن المكسب الحقيقي لا يتمثل فقط في إعادة فتح السوق، بل في قدرة لبنان على المحافظة عليها وتطويرها.
اقتصادياً، يأتي القرار في وقت يحتاج فيه لبنان إلى أي مصدر إضافي للعملات الأجنبية. فمنذ اندلاع الأزمة المالية خسر الاقتصاد اللبناني أكثر من ثلث حجمه، وتراجعت قيمة العملة الوطنية بأكثر من 95 في المئة مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2019، فيما تراجعت الاستثمارات الأجنبية بشكل حاد. وبالتالي، فإن أي زيادة في الصادرات تعني، وفق قراءة موسى، تدفقات إضافية من العملات الصعبة، ودعماً للمزارعين والصناعيين، وتخفيفاً جزئياً للضغوط التي يعاني منها الميزان التجاري، غير أن استئناف الصادرات، على أهميته، لا يمكن أن يشكّل وحده حلاً للأزمة الاقتصادية اللبنانية. فالتحديات البنيوية لا تزال قائمة، من أزمة القطاع المصرفي إلى الدين العام والاختلالات المالية وضعف الاستثمار وتأخر الإصلاحات. لذلك، فإن الاستفادة الفعلية من القرار تتطلب،كما يشير موسى، خطوات موازية تشمل تحديث البنية التحتية للتصدير، وتعزيز الرقابة الجمركية، وتحسين جودة المنتجات اللبنانية، وتوفير بيئة أعمال أكثر جاذبية للمستثمرين.
ومن زاوية أوسع، قد يشكّل القرار السعودي بداية لاستعادة الثقة العربية بلبنان. فالاقتصاد لا يتحرك بالأرقام فقط، بل بالثقة أيضاً. وعندما تعيد أكبر دولة خليجية فتح سوقها أمام المنتجات اللبنانية، فإن ذلك يبعث، بحسب موسى، برسالة إيجابية إلى المستثمرين والشركات والدول العربية الأخرى بأن لبنان لا يزال يمتلك مقومات الشراكة الاقتصادية إذا نجح في استكمال مسار الإصلاح والاستقرار.
يفتح القرار السعودي، كما يقول موسى، الباب أمام إمكانات أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، سواء في قطاعات السياحة والعقارات والطاقة والتكنولوجيا أو في المشاريع الإنتاجية المشتركة. والأهم من ذلك أنه قد يمهد تدريجياً لعودة السياح السعوديين إلى لبنان، وهي مسألة ترتبط بشكل مباشر بمستوى الاستقرار الأمني والسياسي. فالسائح السعودي، والخليجي عموماً، كان يشكّل تاريخياً أحد أهم مصادر الإنفاق السياحي في لبنان، وكانت مساهمته في تنشيط قطاعات الفنادق والمطاعم والتجارة والخدمات تتجاوز، في بعض المواسم، مئات ملايين الدولارات.
في المحصلة، يمثّل استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية أكثر من مجرد إعادة فتح سوق تجارية. إنه مؤشر إلى إمكانية استعادة لبنان جزءاً من حضوره الاقتصادي العربي، وفرصة لإعادة بناء الثقة مع محيطه الخليجي، واختبار لقدرة الدولة على ترجمة الوعود بالإصلاح إلى إجراءات عملية. وإذا أحسن لبنان استثمار هذه الفرصة، فقد تتحول من خطوة تجارية محدودة إلى مدخل أوسع لمسار اقتصادي واستثماري عربي يحتاجه لبنان بشدة.











اترك ردك