وتحدث البطريرك ميناسيان قائلا: “يسعدني أن أرحّب بكم هذا المساء في بيتكم، في بطريركية الأرمن الكاثوليك. أردنا أن نلتقي بكم، لا لنضيف مناسبةً إلى روزنامة المناسبات، بل لنكرّم رسالةً نؤمن بأهميتها، ولنقول لأهل الكلمة والصورة والصوت: أننا نرى تعبكم، ونقدّر رسالتكم، ونعرف حجم المسؤولية التي تحملونها كل يوم.”
وأضاف: “لأن طريق القداسة لا يتوقف، أقول لكم الليلة: إن شاء الله، سنلتقي قريبًا مع قديس جديد، وخبر كنسي مفرح، وصفحة جديدة من صفحات كنيستنا. وعندما يحين الوقت، نعرف أنكم ستكونون معنا، كما عهدناكم دائمًا، شركاء في حمل البشرى وإيصالها.””
وتابع ميناسيان قائلا: “يمرّ لبنان اليوم بمرحلة دقيقة ومصيرية. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا في زمن الأزمات، ليس الاختلاف في الآراء، بل أن تضيع فيه الحقيقة. وهنا تكمن عظمة مسؤوليتكِم. نريد إعلامًا حرًا، لأن الحرية من هوية لبنان؛ ونريدها حريةً مسؤولة، تدرك أن الكلمة قد تجمع شعبًا، وقد تزرع بين أبنائه شرخًا يصعب ترميمه بعض الأحيان.
لذلك نريد إعلامًا يُراقَب ويُسائَل ويُكشَف ويُحاسب؛ لكنّه لا يُحاكم قبل القضاء، ولا يحوّل الاختلاف إلى عداوة، ولا يجعل السبق الصحافي بديلًا عن الحقيقة.وفي هذه المرحلة، نتطلع برجاء إلى المسيرة التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وإلى الجهود المبذولة لإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتِها، وترسيخ منطق القانون والعدالة والمواطنة.”
وأضاف: “نحن، من هذا الصرح، نقولها بوضوح: نحن مع لبنان الدولة. مع دولة لا يكون فيها أحد أكبر من القانون، ولا يشعر فيها مواطن أنه أصغر من حقوقه. نحن مع دولة المؤسسات، والجيش والقوى الأمنية والقضاء. مع دولة تحمي جميع أبنائِها، وتصون سيادتَها وكرامتهم، وتعيد إلى اللبناني ثقته بوطنه ودولته ومستقبله.والأرمن الكاثوليك لم يكونوا يومًا ضيوفًا على لبنان، بل كانوا وسيبقون جزءًا أصيلًا من نسيجه، شركاء في بنائه، وفي ثقافته واقتصاده ومؤسساته وحياته العامة. فلبنان بالنسبة إلينا ليس مكانُ إقامة، بل وطنُ انتماء ورسالةٌ ومصير.”
وقال: “كلّنا أمل بأن يشكّل إقرار قانون الإعلام الجديد خطوةً متقدّمة نحو تعزيز حرية الإعلام، وصون كرامة الإعلاميين وحماية حقوقهم، بما يواكب تطوّرات العصر والتحوّلات التي يشهدها الإعلام اليوم.فلبنان الذي كان منبرًا للكلمة الحرّة في هذا الشرق، يجب أن يبقى كذلك؛ لأن حرية الإعلام جزء من هويته ورسالته.””
وأضاف: “أما أنتم، أيها الإعلاميون والإعلاميات، فلا نطلب منكم أن تمدحونا، ولا نريد منكم أن تقولوا ما يرضينا. قولوا الحقيقة. ولا تجعلوا من الخبر حكمًا قبل الحقيقة، ولا من الاختلاف خصومة، ولا من الحرية فوضى. لأنكم لا تحملون ميكروفونًا أو قلمًا أو كاميرا فحسب؛ أنتم تحملون ثقة الناس.”
من جهته، ألقى الوزير مرقص كلمة قال فيها:” يسعدني أن أكون بينكم في هذا اللقاء الذي يجمعنا حول مائدة المحبة، بدعوة كريمة من صاحب الغبطة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، تكريما للصحافة والإعلام، هذه المهنة التي لم تكن في لبنان يومًا مجرد نقل للأخبار، بل كانت جُزءًا من تاريخه، وذاكرته، وحياته الوطنية. وأود في هذه المناسبة أن أحيّي غبطَته على هذه الالتفاتة التي تحمل أكثر من معنىً. فحين تفتح الكنيسة أبوابها للصحافة والإعلام، إنما تؤكد أن الكلمة الصادقة تظل جسرًا بين الإنسان والإنسان، وبين المجتمع ومؤسساته، وأن الحوار يبقى السبيلَ الأجدى لمواجهة الانقسام والخوف وسوء الفهم.”
وتابع: “لبنان، هذا البلد الذي قام على التنوع ، يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت إلى إعلام يعرف كيف يحمي هذا التنوع بدل أن يحوّله إلى مادة للانقسام، وإلى صحافة تضيء على الحقيقة بدل أن تتركها أسيرة الإشاعات والأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية.”
وأضاف مرقص:”إنني أنظر إلى الصحافة اللبنانية بوصفها شريكًا أساسيًا في بناء الدولة، ومراقبًا لأدائها، ومساحة للنقاش العام. ومن موقعنا في وزارة الإعلام، نؤمن بأن تنظيم الإعلام لا يعني تقييد حريته، بل حماية هذه الحرية وتحصينها بالمسؤولية المهنية والأخلاقية، بما ينسجم مع روحِ الدستور والقوانين ومع التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الإعلامِ. ونحن اليوم أمام تحدٍّ جديد لا يمكن تجاهله: الذكاء الاصطناعي الذي يغيّر طريقة إنتاج الخبر وتوزيعه واستهلاكه، ويفتح أمام الإعلام فرصًا واسعة، لكنه يطرح في المقابل أسئلة عميقة عن الحقيقة والصدقية وحقوق الإنسان والملكية الفكرية. وفي خضم هذا التحول، أعتقد أن علينا أن نتذكر دائمًا أن التكنولوجيا تستطيع أن تساعد الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تحل محل عقله وضميره. فالذكاء الاصطناعي قد ينتج نصًا، لكنه لا ينتج مسؤولية. وقد يصنع صورة، لكنه لا يملك ضميرًا. وقد يسرّع انتشار المعلومة، لكنه لا يعرف وحده أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الأكذوبة. من هنا، فإن مستقبل الإعلام لن يكون في منافسة الإنسان مع الآلة، بل في قدرة الإنسان على استخدام الآلة من دون أن يتنازل عن عقله، وحريته، وحسّه النقدي، وأخلاقياته المهنية.”
وفي ختام الحفل قدم البطريرك ميناسيان ميدالية القديس إغناطيوس مالويان تكريما للاعلاميين .











اترك ردك