البند الاخطر في الاتفاق

في “مذكرة التفاهم” أو “الاتفاق الإطاري” الموعود، العديد من الالتزامات المهمة، والتي ستشكّل جميعها بذور تغييرات جيوسياسية مقبلة، كما أنه لن يأتي على كل القضايا بعد، مثل النووي. أحد هذه البنود، كما تسرّب، اتفاق عدم اعتداء إقليمي متبادل. وهو يقسّم المنطقة إلى معسكرين، ويُلزم دول كل معسكر عدم الاعتداء على دول المعسكر الآخر. بناءً عليه يمكن أن نستنتج أنّه مشروع سلام إقليمي لا سابقة له في تاريخ المنطقة على الإطلاق.
هذا البند “الافتراضي” مهمّ، وإن لم أستطع التثبّت منه بعد، وقد يرد بصيغة مختلفة. أهميتُه أنّه ينسف كثيراً من القواعد التي قامت عليها نزاعات المنطقة وسلامُها كذلك. ينصّ على امتناع إيران وحلفائها عن مهاجمة الولايات المتحدة وحلفائها، وعلى الولايات المتحدة وحلفائها أيضاً ألا يهاجموا إيران وحلفاءها. وهذا نصٌّ غامضٌ يتطلّب التفكيك. أولاً: من المعني بالحلفاء؟
“حزب الله” اللبناني وجماعة الحوثي (وليس واضحاً تصنيف العراق وميليشيات إيران العراقية) هؤلاء هم حلفاء إيران. “حماس” الفلسطينية خارج المعادلة. إسرائيل ودول الخليج والأردن هم حلفاء الولايات المتحدة.

الاستنتاج الأول أنّه لو وقّعت إيران عليه سواء في “الاتفاق الإطاري” أو “الاتفاق النهائي” فهذا سيعني أنّ إيران توقّع عملياً على اتفاق نهاية حرب الأربعين سنة ضد إسرائيل. هذه ليست المفاجأة أو الصدمة الوحيدة.

الاستنتاج الثاني أنَّ البندَ الافتراضيَّ يجعل “حزب الله” معترفاً به ومحمياً ضد كل ما تحاول فعلَه الدولة اللبنانية بشجاعة غير مسبوقة اليوم. وكذلك الحوثي الانقلابي الذي تريد الشرعيةُ اليمنية والقوى اليمنيةُ إخراجه من صنعاء والقضاء عليه. هذا يعني أنّ منهج التفاوض اهتمّ بمعالجة منع عودة القتال الجماعية التي حدثت بعد القتال الأميركي – الإسرائيلي – الإيراني في شباط الماضي.
الحرب كانت ثلاثية ثم اتسعت وصارت جماعية، افتتحت بهجوم أميركي – إسرائيلي وهجوم إيراني مضاد، وعدوان إيراني على الكويت والبحرين وقطر والسعودية والإمارات وعُمان والأردن. وفي المقابل، شُنّت هجمات سعودية وإماراتية مضادة على إيران، وهجمات عراقية – إيرانية على دول الخليج، واشتباكات بين “حزب الله” وإسرائيل، وكذلك دخل الحوثي متأخراً بمسيراته على إسرائيل والملاحة البحرية. ركّز المتفاوضون على إنهاء الاشتباكات الجماعية، فهل كانوا، أعني الأميركيين والإيرانيين، فعلاً يريدون توسيع هذا الالتزام الفضفاض؟ إنَّ نوايا المتفاوضين سواء أكانت سلاماً مؤقتاً أم مشروعاً كبيراً للمنطقة، ليست واضحة فيما تسرّب عنها. ندرك أنَّ هناك ستين يوماً من المفاوضات التفصيلية، وقد تمدد؛ لأنَّ مذكرة التفاهم ستزيد القضية تعقيداً وزادت عدد الأطراف المنخرطين في التزامات الاتفاق الافتراضي إلى نحو 13 طرفاً، حكومة وتنظيماً. أيضاً تحكيمياً، ستواجه الجميع عشرات الأسئلة والاحتمالات التي تتطلّب التعامل معها.
مثلاً، هل يمكن وقفُ إيران من تسليح “حزب الله”؟ وهل لو هاجمته إسرائيلُ لمنع تزايد قوة الحزب يعدُّ ذلك خرقاً للاتفاق؟ المقلق أكثر أنَّ هذا البند غير المؤكد بعد، بدعوى وقف الاقتتال سيُرسّخ شرعية الميليشيات. فـ”حزب الله” اللبناني قوةٌ مسلحة خارج سلطة الدولة، مصنّفةٌ إرهابية لبنانياً وعربياً وغربياً! ما ستعنيه الاتفاقيةُ في هذه الحالة اعترافٌ ضمنيٌّ أميركيٌّ به كطرفٍ إقليمي شرعي، وسيتعذّرُ أيُّ ضغطٍ مستقبلي لتصنيفه أو نزع سلاحه. ولا ننسى أنَّ فيه تكريساً لظاهرة “الدولة داخل الدولة” في لبنان، وكذلك في اليمن، وسيهدّد العراق إن كان مشمولاً بالاتفاق. أيضاً، أشكّ كثيراً في قدرة واشنطن على السيطرة على إسرائيل التي لن توقّف عملياتها ضد “حزب الله” في لبنان أو الوجود الإيراني في المنطقة، بحجّةِ دفاعها الاستباقي عن النفس، وأي ضامن أميركي لن يفلح في ردع إسرائيل.