تسمح قراءة النص بفهمه بوصفه محاولة للفصل بين مستويين: حق لبنان في إنهاء الاحتلال، الذي يرفض قاسم إخضاعه للمساومة، وكيفية تنظيم العلاقة بين اللبنانيين، التي يعلن استعداده لمناقشتها. لكن الخطاب يترك تفاصيل الربط بين المستويين مفتوحة، بما يحفظ للحزب مساحة تفاوضية.
تكتسب عبارة “لا شيء نقدمه” أهميتها ضمن هذا السياق. فهي تعني، في منطق الخطاب، رفض مطالبة الطرف المعتدى عليه بتقديم مقابل لإنهاء الاعتداء. ويستند قاسم إلى عدم التزام إسرائيل بالاتفاقات، بحسب قوله، ليطرح مشكلة الثقة: ما الذي يضمن أن تؤدي التنازلات المطلوبة من لبنان إلى انسحاب فعلي، وأن تنتهي الاعتداءات بعد تقديمها؟
هنا، يحاول نقل عبء إثبات جدوى التسوية إلى المطالبين بها. فبدلاً من أن ينحصر السؤال في ما ينبغي للحزب أن يقدّمه، يصبح السؤال عن الضمانات التي يمكن أن يحصل عليها لبنان. وهذه نقطة أساسية في قراءة موقفه: يرفض قاسم تسوية يكون المقابل اللبناني فيها واضحاً ومسبقاً، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيلية مؤجلة أو غير مضمونة.
أما قوله إن التحرير بات “أمام أعيننا”، فيؤدي وظيفة مختلفة. إنه يخاطب جمهور المقاومة، ويعيد تثبيت الهدف بعد الخسائر والتضحيات. لكن العبارة لا تتضمن موعداً أو آلية، ولا تكفي للاستنتاج بأن الحزب يستعد لعملية عسكرية واسعة أو يمتلك معلومات عن انسحاب قريب.
وتساعد خاتمة الخطاب، التي تتحدث عن مراحل وجولات، على تفسيرها. فقاسم يقدّم الصراع ضمن زمن ممتد، ويرفض اعتبار نتيجة أي جولة حكماً نهائياً على مستقبل المواجهة. ويمكن قراءة ذلك بوصفه رسالة بأن التفوق العسكري الإسرائيلي، مهما أحدث من خسائر، لا يحسم وحده القدرة على الاحتفاظ بالأرض أو فرض تسوية سياسية.
مع ذلك، يبقى الانتقال من الصمود إلى التحرير مسألة تحتاج إلى أدوات ووقائع تتجاوز الخطاب. فالصمود يحافظ على إمكانية تغيير المعادلة، لكنه لا يحدد وحده متى يحصل هذا التغيير وكيف.
في الداخل، تستحق الإشارة إلى حصر السلاح قراءة دقيقة. فإدراج هذا الملف ضمن عناوين التعاون يسمح لقاسم بإظهار استعداد الحزب للمعالجة السياسية، مع اشتراط المرجعية الدستورية ورفض الإملاءات الخارجية. القبول بالتعاون في مناقشة السلاح لا يساوي الموافقة المسبقة على صيغة محددة لمعالجته. لكنه يترك باباً يمكن البناء عليه إذا انتقل النقاش إلى الضمانات الدفاعية وآليات اتخاذ القرار.
ويثير هذا الموقف سؤالاً مقابلاً: كيف تُحسم الخلافات إذا تعذّر التوافق داخل المؤسسات؟ فالاستناد إلى الدستور يشكل مرجعية مشتركة، لكنه يحتاج أيضاً إلى توضيح كيفية الالتزام بالقرارات وآليات تنفيذها. لا يقدّم النص جواباً تفصيلياً، ولذلك تبدو دعوة التعاون إعلاناً سياسياً يحتاج إلى ترجمة عملية.
ويؤدي استحضار اتفاق الطائف والعيش المشترك ومعادلة “الجيش والشعب والمقاومة” وظيفة طمأنة وطنية. فهو يضع تمسك الحزب بالمقاومة ضمن تصوره للدولة والتوازنات اللبنانية، ويؤكد أن النقاش الدفاعي، من وجهة نظره، يجب أن يحفظ الشراكة الداخلية. غير أن الجمع بين هذه المعادلة وعنوان حصر السلاح يترك مسألة تنظيم العلاقة بين الدولة والمقاومة موضوعاً مفتوحاً للتفاوض.
أما إطلاق مؤسسة حفظ تراث السيد حسن نصر الله، فيمنح المواقف السياسية إطاراً من الاستمرارية. فقاسم يربط القيادة الحالية بالمرجعية التي شكّلت هوية الحزب، ويحوّل الذاكرة إلى عمل مؤسساتي يشمل الأرشيف والوثائق والروايات الشفوية. وفي هذا بُعد يتعلق بمعركة الرواية: كيف تُروى تجربة الحزب، وكيف تُفسَّر خياراته وتضحيات جمهوره، ومن يملك المواد التي سيستند إليها الباحثون لاحقاً؟
يجمع الخطاب، بذلك، بين تثبيت الهوية وتحديد شروط التفاوض. رسالته إلى الداخل هي الاستعداد للتعاون ضمن مرجعية لبنانية، ورسالته إلى الخارج هي أن إنهاء الاحتلال يجب أن يكون التزاماً قابلاً للتحقق. أما المساحة التي لم يحسمها، فهي كيفية تحويل هذين الموقفين إلى مسار واحد يضمن الانسحاب، ويحمي لبنان، وينظم القرار الدفاعي ضمن توافق داخلي.
“التحرير أمام أعيننا”.. ماذا يقصد قاسم؟

رسم الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطابه الاخير حدود التسوية التي يقبل بها “حزب الله”: إنهاء الاحتلال والاعتداءات، ومعالجة الخلافات اللبنانية عبر المؤسسات والتفاهم الداخلي. ومن خلال الجمع بين التشدد تجاه إسرائيل والاستعداد للتعاون في الداخل، يسعى إلى منع اختزال الأزمة اللبنانية في سلاح الحزب، وإعادة وضع الاحتلال في مركز النقاش.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك