نقل هذا التطور أزمة الكهرباء من اعتراض الوزير المختص إلى مواجهة يتبنّاها فريق وزاري. فاستمرار الصدي في إدارة وزارته، مع امتناعه عن حضور الجلسات، أبقى التمييز قائمًا بين مسؤوليته عن القطاع واعتراضه على أداء الحكومة تجاهه. أما انضمام زملائه إلى الضغط، فيعني أن “القوات” باتت تربط موقفها داخل مجلس الوزراء بالاستجابة لمطالب الوزير، وتحاول توسيع دائرة المسؤولية السياسية عن التعثّر في إدارة إحدى أصعب الخدمات في البلاد.
غير أن رفع مستوى الاحتجاج لا يغيّر وحده المعادلة المالية. فالحكومة تتمسّك بتجنّب الاستدانة، ووزارة الطاقة تؤكد أنها تطالب بمستحقات والتزامات على الدولة، فيما تحتاج مؤسسة الكهرباء إلى موارد تستطيع الاعتماد عليها لتشغيل المعامل. لذلك، يتجاوز الخلاف سؤال تأمين دفعة عاجلة إلى تحديد الجهة التي تتحمّل كلفة استهلاك الدولة وقراراتها. فما الذي يمنع تحويل الموافقة إلى قرار، وهل تستطيع الحكومة مطالبة المؤسسة بتمويل نفسها قبل أن تحسم التزاماتها تجاهها؟
من يتحمّل كلفة التزامات الدولة؟
يبدأ فهم العقدة من التمييز بين دعم مؤسسة لتغطية خسائرها، وتسديد ثمن خدمة استهلكتها الإدارات والمؤسسات العامة. ففي الحالة الثانية، تكون الدولة مدينة لمؤسسة الكهرباء، ويصبح تأخير الدفع مشكلة في قدرة المؤسسة على تحصيل إيراداتها. ومن هنا تكتسب المطالبة بالمتأخرات معناها: كيف يمكن مطالبة المؤسسة بشراء المحروقات من الجباية، فيما يبقى جزء من فواتير القطاع العام غير مسدّد؟ هذا السؤال لا يعفي المؤسسة من تحسين التحصيل ومعالجة الهدر، لكنه يضع التزام الدولة بالدفع ضمن شروط المحاسبة نفسها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن وزارة المال تنظر إلى هذه المطالب من داخل موازنة عليها التزامات متنافسة، وتتمسّك برفض العودة إلى إقراض الكهرباء. لكن ضبط الإنفاق لا يحسم وحده كيفية التعامل مع فواتير مستحقة. كما أن تسديد جزء منها، وفق المقاربة التي عرضها مستشار وزير المال، لا يضمن انتظام الموارد في الأشهر التالية. هنا تظهر مسؤولية الحكومة في ترتيب أولوياتها: فإرجاء الدفع قد يؤخّر خروج المال من الخزينة، لكنه لا يلغي الكلفة، وقد ينقل أثرها إلى ساعات التغذية وفاتورة المولد التي يدفعها المواطن.
وتزداد المسألة تعقيدًا لأن مطالب الصدي تتجاوز المتأخرات إلى التعرفة المتحركة وكلفة إعفاءات الجنوب والتصليحات فيه. وهذه ملفات تتصل بتوزيع الأعباء، إلى جانب تشغيل المعامل. فإذا قرّرت الدولة إعفاء فئات من الدفع أو تحمّل أضرار أصابت الشبكة، يصبح عليها تحديد الجهة التي تموّل هذه القرارات. أما التعرفة المتحركة، فيُفترض أن تواكب تغيّر كلفة الإنتاج، لكنها لا تعالج تلقائيًا الفواتير غير المحصّلة. لذلك، فإن جمع هذه المطالب تحت عنوان “تمويل الكهرباء” يخفي اختلافها، ويتيح استمرار الموافقة العامة من دون حسم كل التزام على حدة.
ماذا يغيّر انسحاب الوزراء؟
سياسيًا، يرفع الانسحاب كلفة إبقاء الملف معلّقًا، لأنه يجعل استمرار الخلاف مؤثرًا في عمل الحكومة وعلاقتها بأحد مكوّناتها. لكنه لا يمنح وزير الطاقة قدرة على اتخاذ القرارات التي يطالب بها، ولا يؤمّن المال بحدّ ذاته. وتكمن فعاليته في دفع رئيس الحكومة إلى جمع المطالب والاعتراضات في تسوية يتحمّل مجلس الوزراء مسؤوليتها. أما إذا انتهى إلى عودة الوزراء من دون مبلغ وآلية صرف ومهلة، فتكون الحكومة قد احتوت الخلاف السياسي مؤقتًا، فيما تبقى الفجوة المالية التي أنتجته قائمة.
وفي المقابل، يضع التصعيد “القوات” أمام اختبار نتائج الضغط الذي تمارسه. فتبنّي مطالب الوزير يوسّع الدعم السياسي له، لكنه يجعل الفريق الوزاري معنيًا أيضًا بتحديد ما يقبل به بوصفه معالجة كافية. ومطلب جدولة المستحقات يوفّر أساسًا عمليًا لذلك، شرط أن تتناسب الدفعات مع حاجات التشغيل. ومع حديث “LBCI” عن نقص 23 مليون دولار لاستكمال ثمن شحنة غاز أويل متوقعة خلال أسبوع من جلسة الخميس، يصبح الفرق واضحًا بين تسوية تتيح تجاوز استحقاق قريب، وأخرى تمنع تكرار المواجهة عند كل شحنة جديدة.
لهذا السبب، لا تُقاس نتيجة الاتصالات بكثرتها، كما لا تكفي مشاريع تطوير القطاع لتغطية حاجاته العاجلة. فالاستثمار في الإنتاج والبنية التحتية يحتاج إلى وقت، بينما شراء المحروقات مرتبط بمواعيد لا تنتظر اكتمال تلك المشاريع. ومن هذه الزاوية تُقرأ جلسة الخميس 22 تشرين الأول بوصفها محطة متابعة، من دون افتراض أنها موعد للحسم. والاختبار هو قدرة الحكومة على الجمع بين استمرار التشغيل ومعالجة أسباب نقص الموارد، حتى لا تتحوّل كل دفعة إلى حل مؤقت تعقبه أزمة سياسية أخرى.
تكشف أزمة الكهرباء خلافًا على ترتيب الأولويات وتوزيع الكلفة داخل الحكومة، يتجاوز الموافقة المعلنة على زيادة التغذية. وحسمه يحتاج إلى اتفاق يقوده رئيس الحكومة على التزامات الدولة تجاه المؤسسة، بالتوازي مع ما يُطلب من المؤسسة لتحسين أدائها. فلا تستطيع الحكومة الاكتفاء بإعلان الموافقة على المبدأ وترك الوزير يواجه نتائج تأخير التنفيذ، كما لا يستطيع الفريق المعترض اعتبار التصعيد نتيجة بحدّ ذاته. المسؤولية الحكومية المشتركة تبدأ حين تتحوّل الكهرباء إلى أولوية مالية فعلية؛ أما بقاء الجميع مؤيدًا للحل من دون الاتفاق على تمويل يضمن تنفيذه، فيُبقي الأزمة قائمة مهما اتّسعت الموافقة السياسية.
وسط هذه الاجواء، اعلن رئيس الحكومة نواف سلام اقتراب التوصّل إلى مشروع قطري لإعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء وتطويرها وتحديثها، تتولّى قطر تمويله وتنفيذه وتشغيله من دون أن تتحمّل الخزينة اللبنانية أيّ كلفة مسبقة، بهدف زيادة الإنتاج وخفض الكلفة وتحسين الإدارة. كما أكّد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني الاتفاق على وضع إطار شامل للتعاون في قطاع الطاقة، يتضمّن مشروعًا استثماريًا ضخمًا يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني والجهات القطرية المشاركة.
الجميع يوافق والقرار يتأخّر.. مَنْ يحسم تمويل الكهرباء؟

أظهرت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة أن الاتفاق على ضرورة زيادة التغذية الكهربائية لا يحسم كيفية تمويلها وتوقيت تأمين الأموال اللازمة لها. فوزراء “القوات اللبنانية” خرجوا من الجلسة احتجاجًا على غياب القرار، فيما أكدت الحكومة موافقتها على تسديد المتأخرات وزيادة ساعات التغذية. تبدو المفارقة واضحة: لا أحد يعارض الهدف المعلن، لكن المؤسسة التي يُفترض أن تنفّذه لا تستطيع شراء المحروقات بموافقة سياسية وحدها. وبين تأييد زيادة الإنتاج وتأمين الأموال اللازمة له، يستمر الخلاف الذي دفع وزير الطاقة جو الصدي إلى الاعتكاف، ثم زملاءه إلى الانسحاب.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك