الحرب على إيران بين التصعيد والتأجيل… وحسابات واشنطن وتل أبيب

تتزايد التكهنات بشأن توقيت استئناف المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في ظلّ استمرار التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة، وما يرافقها من حسابات سياسية وانتخابية قد تؤدي دوراً أساسياً في تحديد موعد أي تصعيد جديد. وبين من يرجّح اندلاع المواجهة خلال أيام، ومن يعتقد أن واشنطن تعمل على تأجيلها إلى مطلع العام المقبل، تبرز قراءتان مختلفتان لتوقيت الحرب، وإن كانتا تنطلقان من فرضية استمرار احتمالات التصعيد.

 

وفي هذا الإطار، تتداول أوساط دبلوماسية متابعة للتطورات الإقليمية قراءة أولى تقوم على احتمال تأجيل استئناف العمليات العسكرية الواسعة إلى كانون الثاني المقبل، على أن تستثمر الإدارة الأميركية شهري تشرين الثاني وكانون الأول في إطلاق مسار تفاوضي مع طهران، قد يكون هدفه الأساسي كسب الوقت أكثر من التوصل إلى اتفاق فعلي. ووفق هذه القراءة، فإن واشنطن قد تسعى إلى تجنّب إرسال جنودها إلى مواجهة واسعة خلال فترة «عيدي الشكر والميلاد»، بالتوازي مع استكمال استعداداتها العسكرية والسياسية للمرحلة التالية.

 

ولا تنفصل هذه الحسابات عن الاستحقاقات الانتخابية، إذ يفترض هذا السيناريو أن ترامب يحتاج إلى تجاوز انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فضلاً عن ترتيب العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية التي ستنبثق عن الانتخابات، سواء من خلال التعامل مع رئيس وزراء جديد أو منح بنيامين نتنياهو مهلة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر لتشكيل ائتلاف حكومي متماسك، في حال بقائه في السلطة.

 

وتستند هذه القراءة أيضاً إلى فرضية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر لاستكمال حشد قواتها وتعزيز قدراتها الهجومية والدفاعية في المنطقة، بما يتيح لها الانتقال إلى عمليات عسكرية أوسع مع بداية العام الجديد. وفي هذه الحالة، ترى المصادر أن المفاوضات قد تتحول إلى غطاء سياسي لمرحلة إعادة التموضع العسكري، بحيث يجري استثمار الوقت في تحسين شروط المواجهة بدلاً من البحث الجدي عن تسوية.

 

في المقابل، تبرز قراءة ثانية لا تستبعد استئناف الضربات خلال الأسبوع المقبل، انطلاقاً من أن مستوى الاستعداد العسكري والتوتر الإقليمي قد يجعل قرار التصعيد أقرب مما تفترضه الحسابات الانتخابية. ويرى أصحاب هذا التقدير أن واشنطن وتل أبيب قد لا تحتاجان إلى انتظار كانون الثاني لتنفيذ عمليات عسكرية جديدة، خصوصاً إذا اعتبرتا أن تأجيل المواجهة يمنح إيران وقتاً إضافياً لإعادة ترميم قدراتها العسكرية وتعزيز منظوماتها الدفاعية.

 

وتكشف المقارنة بين القراءتين عن اختلاف في تقدير الأولويات الأميركية. فبينما تفترض الأولى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى توفير الظروف السياسية والعسكرية الملائمة قبل خوض مواجهة واسعة، تنطلق الثانية من احتمال أن تكون هذه الظروف قد بلغت مستوى يسمح بالتحرك خلال فترة قصيرة، وأن استمرار الحشد العسكري لا يعني بالضرورة انتظار اكتماله قبل توجيه الضربة الأولى.

 

أما البعد الأكثر حساسية فيرتبط بالموقف الإيراني، إذ إن طهران تدرك أن أي مسار تفاوضي يترافق مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي قد يحمل أهدافاً تتجاوز الدبلوماسية، ما يدفعها إلى التعامل مع احتمالات التصعيد بوصفها قائمة في مختلف المراحل. كما أن أي ضربة جديدة قد تستدعي رداً إيرانياً يوسّع نطاق المواجهة، ويضع المنشآت الحيوية والمصالح الأميركية في المنطقة أمام مخاطر إضافية. وبناءً على ذلك، لا يبدو الاختلاف بين السيناريوهين متعلقاً بطبيعة المواجهة المحتملة بقدر ما يرتبط بالتوقيت والظروف التي قد تدفع نحوها.

 

وبين فرضية استخدام المفاوضات لكسب الوقت واستكمال التحضيرات العسكرية، واحتمال اتخاذ قرار سريع باستئناف الضربات، تبقى الايام المقبلة اختباراً لاتجاه الحسابات الأميركية الإسرائيلية، في منطقة باتت فيها المسافة بين الضغط السياسي والانفجار العسكري شديدة الحساسية.