ولا يمكن فصل ما يجري اليوم عن المسار الذي بدأ في الثاني من آذار، حين اتخذت السلطة قراراتها بحق حزب الله، وما أثارته من غضب في الشارع، قبل أن تتدخل قيادة الحزب لضبط جمهورها ومنع أي تحرك باتجاه السراي الحكومي. ومنذ ذلك الحين، حافظ “الحزب” على سياسة تهدئة واضحة، رغم حجم الاعتراض داخل بيئته على القرارات المتخذة بحقه، واضعاً أولوية منع الانزلاق إلى مواجهة داخلية فوق أي اعتبارات أخرى.
غير أن قضية شاحنة ضهر البيدر أعادت خلط الأوراق، وأثارت مخاوف من دخول العلاقة بين الطرفين مرحلة أكثر تعقيداً، ولا سيما في ضوء ما تسرّب إلى قيادة “الحزب” عن إجراءات تصعيدية يُحتمل أن تكون السلطة بصدد اتخاذها، وإن كانت الاستنابات القضائية المتداولة لم تصدر. ولذلك، تتزايد حالة الاستياء داخل “الحزب”، وسط شعور متنام بأن سياسة التهدئة التي اعتمدها منذ الثاني من آذار لم تقابلها خطوات من جانب الحكومة من شأنها تخفيف الاحتقان، بل إن التطورات الأخيرة عززت المخاوف من استمرار المسار التصعيدي، وقد بدأ هذا المناخ يتظهّر علناً وبوضوح في مواقف مشايخ “الحزب” وبعض مسؤوليه وكوادره، الذين أخذوا يبتعدون تدريجياً عن المرونة، باتجاه التشديد على ضرورة التحرك في الشارع وعدم الاستمرار في سياسة تقديم التنازلات أمام سلطة لا تتوقف، بحسب تعبيرهم، عن اتخاذ خطوات من شأنها رفع مستوى التأجيج. ويعكس هذا التحول في الخطاب حجم الضغوط التي تواجه قيادة “الحزب” في إدارة العلاقة مع السلطة، ولا سيما في ظل اتساع الهوة بين متطلبات ضبط الشارع من جهة، وتنامي الاعتراض داخل البيئة الحزبية على استمرار سياسة الاحتواء من جهة أخرى.
ومع ذلك، يواصل لبنان الرسمي التمسك بموقفه القائم على المضي في الإجراءات القضائية المتعلقة بشاحنة ضهر البيدر، وفي هذا السياق، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن القانون هو السقف الذي يحكم تحركه، وأن كل من يثبت تورطه في حيازة السلاح أو نقله خارج إطار الشرعية سيُحال إلى القضاء لينال عقابه.
وبينما تزداد خطورة المشهد في ظل الحديث المتنامي عن ضغوط أميركية تدفع نحو تشديد الموقف من حزب الله، تبرز تساؤلات حول طبيعة هذه الضغوط وانعكاساتها المحتملة على آلية التعامل مع الحزب خلال المرحلة المقبلة، حيث إن تضاؤل مساحة المناورة السياسية من شأنه أن يزيد احتمالات تحوّل الإجراءات المرتبطة بالقضية إلى نقطة اشتباك سياسي وأمني تتجاوز في أبعادها ملابسات الشاحنة نفسها، لتفتح الباب أمام مواجهة داخلية يصعب احتواء تداعياتها.
وفي هذا السياق، يعتبر “الحزب”، وفق مصادره، أن المسؤولية الوطنية تفرض على السلطة مراجعة سياساتها ووقف مسار التصعيد الذي تدفع البلاد نحوه، قبل أن يبلغ الاحتقان الداخلي مرحلة الانفجار، وتخرج تداعياته عن أي إمكانية للاحتواء، فالاستهانة بحجم الغضب الشعبي داخل البيئة الشيعية لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع دائرة المواجهة، فيما تبقى السلطة، بسياساتها وقراراتها، مسؤولة عن النتائج التي قد تترتب على هذا المسار.











اترك ردك