وكتبت زينب حمود في” الاخبار”: قبل السؤال: متى يعود أبناء الجنوب إلى قراهم؟ لا بد من طرح سؤال آخر يسبقه: إلى أين سيعودون؟
وبدأت تظهر مبادرات فردية وأخرى أطلقتها جمعيات ونقابات، كلّ منها من زاوية اختصاصه واهتمامه. فقد تنبّهت نقابة المهندسين في بيروت، على سبيل المثال، إلى مخاطر محو المعالم الأثرية، أو تنفيذ مشاريع إعمار متفرقة، أو تعميم نموذج واحد على مدن وقرى تختلف في تاريخها وطبيعتها وهويتها، أو استنساخ نماذج مستوردة من الخارج. لذلك أطلقت النقابة، في 20 آب الماضي، «المبادرة الوطنية لحماية الذاكرة العمرانية والتراثية للبنان».
وينطلق العمل في المرحلة الراهنة من التوثيق المكتبي، ريثما تسمح الظروف الأمنية بإجراء مسح ميداني للأماكن المتضررة. وبعد لقاءات مع الوزارات المعنية، تتركز الخطوة التالية، بحسب رئيس لجنة تنسيق المبادرة حبيب صادق، على «التشبيك مع البلديات في القرى والمناطق المتضررة، وربطها بكليات العمارة في الجامعات، إذ تتولى كل كلية العمل على منطقة محددة». ويقول صادق إن «حماسة البلديات والجامعات مدهشة»، مشيراً إلى أن رؤساء البلديات طرحوا، خلال حفل إطلاق المبادرة، أفكاراً وهواجس مرتبطة بإعادة الإعمار، من بينها «أزمة العقارات غير الممسوحة». واقترح آخرون «الحفاظ على الطابع المقاوم خلال إعادة بناء القرى، كما يتجلى في الطرقات الضيقة والمنازل المتلاصقة، بدلاً من فرض نماذج حديثة كالأوتوسترادات». فيما لاحظت النقابة وجود فجوة كبيرة في تصنيف الأبنية ذات الطابع الأثري، إذ إن «عشرات الأبنية التي تحمل طابعاً تراثياً غير مدرجة على لوائح التراث في وزارة الثقافة. لذلك نسعى، بالتعاون مع البلديات، إلى تصنيف هذه الأبنية وبناء هوياتها»، وفق رئيس فرع المعمارية الاستشارية في نقابة المهندسين في بيروت بسام علي حسن. لكن ماذا عن الأبنية التي تهدمت بالفعل، وهل لا يزال من الممكن تصنيفها؟ يجيب حسن بأن «المسألة تصبح أكثر تعقيداً، لكنها ليست مستحيلة»، خصوصاً مع إمكان استخدام الذكاء الاصطناعي والاستناد إلى الصور المتوافرة، بالتعاون مع البلديات. ويشدد على ضرورة إقناع الجيل الجديد بإعادة بناء المنازل وفق ما شيّدها الأجداد، والحفاظ على طابعها وقيمتها، وعدم الانجراف نحو نماذج هندسية «عصرية» تجرّدها من هويتها.وستباشر النقابة عملية التوثيق من الصفر، رغم وجود تجارب سابقة أعقبت حروباً وانفجارات وكوارث طبيعية. وعلى أهمية تلك التجارب، إلا أنه يصعب البناء عليها، وفق مدير مرصد القضايا العمرانية في النقابة إيلي حاوي، لأنها «مبادرات غير موثقة». ولأن حجم الأفكار والبيانات التي تدفقت على النقابة بعد إطلاق المبادرة كبير، فيما الحاجة إلى فرزها وتحليلها سريعة، يقول حاوي إن «الحاجة باتت ملحّة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي». ويقر بأن «المركز لا يملك حالياً تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة، لكننا نعمل على تطوير نظام ذكي خاص بالنقابة، مع الحرص على توفير مستويات حماية عالية للبيانات الحساسة، بما يمنع أي محاولات اختراق». في البعد البيئي، غالباً ما يُنظر إلى الاعتبارات البيئية باعتبارها عبئاً إضافياً على عمليات إعادة الإعمار، في وقت تكون الأولوية فيه لإعادة بناء ما تهدم بأسرع ما يمكن. إلا أن هذا المنطق قد يكون قصير النظر، لأن إعادة البناء من دون معالجة آثار الحرب البيئية تعني، عملياً، إعادة إنتاج المشكلة نفسها في ثوب جديد.












اترك ردك