وتحت عنوان “في جنوب لبنان.. سباق بين حفظ الذاكرة والدمار الإسرائيلي”، سلطت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمهُ “لبنان24” الضوء على تجربة المنتج السينمائي الشاب أديب فرحات، الذي يجمع أرشيفاً واسعاً مرتبطاً بالجنوب، يضم صحفاً ومجلات وصوراً ولوحات ووثائق وأغراضاً وشهادات شفوية.
وقال فرحات إن كثافة عمليات الهدم الإسرائيلية في الجنوب الذي تحتل إسرائيل أجزاء منه أطلقت “سباقاً بين حفظ الذاكرة والدمار”، مشيراً إلى أنه اضطر بنفسه إلى إجلاء جزء من أرشيفه من بلدة عربصاليم، حيث كان يقيم منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل و”حزب الله” في 2 آذار، والتي جُمّدت جزئياً منذ وقف إطلاق النار في 20 حزيران.
وبحسب “لوموند”، يواصل الجيش الإسرائيلي يومياً تفجير منازل في المنطقة المحتلة وتنفيذ غارات جوية في محيطها، فيما جرى تدمير أكثر من 20 قرية حدودية منذ الهدنة الأولى في نيسان.
ذاكرة تتجاوز الحرب الأخيرة
ولا يقتصر اهتمام فرحات على توثيق الحرب الأخيرة، إذ يبحث عن كل ما يرتبط بتاريخ جنوب لبنان، فالمنطقة عاشت عقوداً من الحروب المتكررة المرتبطة بإسرائيل، قبل فترة طويلة من ظهور “حزب الله”، الحركة الشيعية المسلحة المدعومة من إيران، في ثمانينيات القرن الماضي.
كذلك، خضع الجنوب للاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1978 و2000، ويحتفظ فرحات، من تلك المرحلة، بتصاريح ثنائية اللغة بالعبرية والعربية كان يتعين إبرازها أمام جهات عسكرية لبنانية كانت تدير المنطقة لمصلحة إسرائيل.
في السياق، قال فرحات: “لا أريد لقصتي أن تُنسى. هذا ما يدفعني إلى الأرشفة، وليس الرغبة في الحديث عن الحرب”. كذلك، أوضح فرحات أنه يأمل في إنشاء متحف إلكتروني، ثم مركز ثقافي في الجنوب عندما تهدأ الأوضاع، وأضاف: “يتيح لنا العمل الأرشيفي دعم روايتنا وسرد قصتنا بأنفسنا”.
وكان فرحات أحد القيّمين على معرض “حكيلي يا جنوب”، المخصص لذاكرة المنطقة، والمقرر أن يعود في أيلول إلى متحف “بيت بيروت” في العاصمة.
وجمع المعرض بين الذاكرة الشخصية والتاريخية، وأتاح للزوار المنحدرين من الجنوب استعادة قراهم من خلال خريطة جدارية مفصلة للمنطقة امتلأت تدريجياً بالصور.
وقالت دلفين دارمنسي، القيّمة المشاركة على المعرض: “جمعنا أكثر من 460 صورة تمثل أكثر من 35 بلدة، وهي تظهر لحظات عائلية ومنازل ومناظر طبيعية”.
وأشارت إلى أن إدارة التبغ قدمت أيضاً صوراً للمزارعين، فيما من المقرر الاحتفاظ ببعض هذه الصور في المتحف، في وقت تبدو فيه على تناقض صارخ مع حجم الدمار الحالي في الجنوب.
ووفق دارمنسي، عاد بعض المشاركين إلى المتحف خصيصاً للتأكد من عرض صورهم على الخريطة، بينما أشارت “لوموند” إلى أن إسرائيل منعت تقريباً جميع السكان من العودة إلى المنطقة المحتلة، في إجراء قالت الصحيفة إنه يستهدف بصورة أساسية الشيعة الذين يشكلون غالبية سكان الجنوب، فيما يؤكد مسؤولون إسرائيليون أنه لا انسحاب للقوات في وقت قريب.
ورأت الصحيفة أن الشعور بفقدان الممتلكات والخشية من استمرار هذا الواقع عززا الحاجة إلى توثيق ما كان قائماً قبل الدمار.
وفي هذا السياق، قال الباحث في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت مهند الحاج علي: “نشهد في هذه المنطقة تدمير مجتمع، هو الشيعة، من جانب إسرائيل على أساس أنه احتضن العدو، حزب الله، وقد استُخدم الأسلوب نفسه في قطاع غزة”.
وأضاف: “إنه شكل جذري من مكافحة التمرد. ويُسمى أيضاً تطهيراً عرقياً”.
توثيق المباني التاريخية
وفي موازاة المبادرات الفردية، تعمل جمعية “بلادي” غير الربحية، المتخصصة في التراث الثقافي، على جمع صور وشهادات السكان. وبالتعاون مع طلاب الهندسة المعمارية في الجامعة اللبنانية، تعد الجمعية جردة للمباني ذات القيمة التاريخية الواقعة في المنطقة المحتلة، بينها الأسواق والمساجد والأضرحة والمنازل القديمة.
وقالت مديرة الجمعية جوان بجالي في تصريح: “نريد إبراز قيمة تراث معماري جرى تجاهله، لكنه أصبح للأسف معروفاً بسبب الحرب. ونريد أيضاً شرح حجم الدمار”.
وأضافت: “نتحدث عن تاريخ يمتد لمئات السنين، وخسارته ليست مأساة لسكان المنطقة فقط، بل لجميع اللبنانيين”.
وكانت الجمعية جمعت، عقب حرب عام 2024، صوراً وشهادات عن مدينة النبطية وأربع بلدات محيطة بها لتوثيق الدمار. وفعلياً، تُعد بعض هذه المناطق، مثل كفرتبنيت، من بين الأكثر تضرراً اليوم من عمليات الهدم.
وتقع كفرتبنيت قرب تلة علي الطاهر التي تسعى إسرائيل، بحسب التقرير، إلى السيطرة عليها، متهمة “حزب الله” بإقامة بنية تحتية كبيرة تحت الأرض فيها.
“محاولة لمحو التاريخ”
وتبرر إسرائيل عمليات تدمير القرى بالضرورات العسكرية، لكن بجالي اعتبرت أنه “من الواضح أن هناك محاولة لمحو تاريخ سكان الجنوب وأرضهم”.
وأشارت إلى هدم معالم تاريخية، بينها منزل ميرزا في النبطية، الذي شُيّد عام 1936 وعُرف بقيمته المعمارية ودوره الاجتماعي. وأضافت: “في هذه المدينة، كما في الخيام وبنت جبيل، كانت المعالم التاريخية في قلب الدمار”.
وتخطط جمعية “بلادي” لتنظيم معرض يوثق عمليات التدمير، فيما يُتوقع أن يستفيد مشروع جرد الأبنية التاريخية من شراكة مع وزارة الثقافة.
ووفق “لوموند”، نجحت الوزارة في تموز في إدراج خمس قلاع في جنوب لبنان على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر التابعة لـ”اليونسكو”. كما تعمل جمعيات ومجموعات محلية على توسيع أرشيف هذه المواقع، وفق مستشار وزير الثقافة غسان سلامة، المعماري جاد تابت.
وكانت وزارة الثقافة قد أطلقت في تموز أيضاً نداءً للحفاظ على الذاكرة الثقافية للجنوب، إلا أن فرحات اعتبر أن تدخل الدولة لا يزال غير كافٍ، مع إقراره بأنها “عاجزة في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية”، فيما رأت بجالي أن عدد الجمعيات المنخرطة في جهود التوثيق لا يزال محدوداً قياساً إلى حجم الدمار.











اترك ردك