المشهد يتشكل على أكثر من جبهة. فمن جهة، توسع إسرائيل نطاق تحركها العسكري والأمني في المشرق العربي، خصوصاً في لبنان وسوريا، وتسعى إلى تكريس واقع جديد يمنحها مجالاً أوسع للتأثير في هذه المنطقة.
من جهة أخرى، تعزز إيران أوراقها حول الخليج والممرات البحرية الاستراتيجية، وتمتلك قدرة على التأثير في مضيق هرمز، بينما يمنح تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب حليفاً لإيران موقعاً متقدماً عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هنا تبرز فكرة “حرب المضائق”، فوجود نفوذ إيراني مباشر أو غير مباشر عند هرمز وباب المندب يعني امتلاك طهران أوراق ضغط على المداخل البحرية الأساسية للخليج والبحر الأحمر، وبالتالي على حركة الطاقة والتجارة الدولية.
في المقابل، يبدو أن إسرائيل تتحرك في اتجاه مختلف: توسيع مجال نفوذها في المشرق، مستفيدة من التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما في لبنان وسوريا.
وبين المسارين تقف الولايات المتحدة، حيث ان الاتصالات الأميركية مع إيران، إلى جانب قنوات التفاوض مع الحوثيين في سلطنة عمان، تطرح تساؤلات حول طبيعة الترتيبات التي تبحثها واشنطن للمرحلة المقبلة.
فعلياً، لا تكفي هذه الاتصالات وحدها لإثبات وجود تنسيق أميركي – إيراني على تقسيم النفوذ، لكن السيناريو المطروح يقوم على احتمال أن تكون المنطقة أمام تفاهم أوسع: مساحة نفوذ إيرانية تتعزز حول الخليج والمضائق، مقابل مجال إسرائيلي يتوسع في المشرق العربي، فيما تتولى واشنطن إدارة التوازن بين الطرفين.
إذا صح هذا السيناريو، فلن نكون أمام “سايكس – بيكو” جديد يرسم حدوداً على الخريطة، بل أمام تقسيم من نوع آخر: تقسيم النفوذ والقوة ومجالات السيطرة.
وعندها، ستكون إيران عند المضائق وحول الخليج، وإسرائيل تتوسع في المشرق، والولايات المتحدة في موقع إدارة التوازنات والتفاهمات.
وهنا يصبح السؤال الأخطر: هل الحروب التي تشهدها المنطقة اليوم مجرد مواجهات منفصلة، أم أنها ترسم، تدريجياً، حدود مناطق النفوذ للشرق الأوسط المقبل؟
الحدود قد لا تتغير، والدول قد تبقى بأسمائها، لكن من يملك القوة داخل هذه المساحات ومن يتحكم بممراتها قد يتغير بالكامل، بينما أبرز اللاعبين هم: إيران، أميركا، إسرائيل.










اترك ردك