ثلاثة ملفات تختصر، إلى حد بعيد، رحلة الانهيار اللبناني، وثلاثة استحقاقات سيكون حسمها اختباراً جدياً لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة.
الملف الأول هو انفجار مرفأ بيروت، إذ مضت ست سنوات ولا تزال الحقيقة تنتظر طريقها إلى العدالة. اللبنانيون لا يريدون انتقاماً، بل يريدون أجوبة واضحة: من استورد المواد، من سمح ببقائها، من قصّر، وهل كان ما حصل نتيجة إهمال كارثي، أم أن هناك أفعالاً جرمية تستوجب المحاسبة؟ لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تترك أكبر كارثة في تاريخها الحديث رهينة التعطيل والتجاذب.
الملف الثاني هو الانهيار المالي والاقتصادي. لم يسقط لبنان مالياً بفعل الصدفة، بل نتيجة تراكم سياسات وأخطاء وقرارات وممارسات امتدت لسنوات. من يتحمل مسؤولية تبديد المال العام، من استفاد من الهندسات المالية، كيف خرجت مليارات الدولارات إلى الخارج فيما كان اللبنانيون يفقدون مدخراتهم، ومن الذي سيكشف للرأي العام حقيقة ما جرى؟ هذه الأسئلة ليست مادة للسجال السياسي، بل مدخل لاستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
أما الملف الثالث، فهو حصرية السلاح بيد الدولة، وهو الملف الذي بات في صلب النقاش الداخلي والخارجي. لم يعد الجدل يدور حول وجود المشكلة، بل حول كيفية معالجتها وتوقيتها وآليات تنفيذها. فقيام الدولة لا يكتمل إلا عندما تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد، وعندما تُطبَّق قراراتها على كامل أراضيها، بعيداً من أي ازدواجية في السلطة أو السلاح.
لكن هذه الملفات لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى خطوات عملية.
ففي ملف المرفأ، ينتظر اللبنانيون أن يأخذ التحقيق القضائي مجراه حتى نهايته، وأن تصدر القرارات القضائية وفق الأصول، وصولاً إلى محاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
وفي الملف المالي، يبقى كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي، لأن بناء اقتصاد جديد لا يمكن أن يقوم فوق أنقاض حقيقة مدفونة.
أما في الملف السيادي، فإن الأنظار تتجه إلى قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها، واستكمال مسار بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما ينسجم مع التفاهمات والالتزامات التي دخلت حيّز التنفيذ، ويكرّس احتكار الدولة وحدها لقرار السلم والحرب.
إن نجاح لبنان لن يُقاس بعدد المؤتمرات الدولية التي تُعقد من أجله، ولا بحجم الوعود التي تُقدَّم له، بل بقدرته على مواجهة هذه الملفات الثلاثة بشفافية وشجاعة، لأن الدول لا تنهض بإخفاء الحقائق، بل بكشفها، ولا تستعيد ثقة شعبها إلا عندما تثبت أن لا أحد فوق القانون، وأن المصلحة الوطنية تعلو على كل الحسابات.
لبنان اليوم أمام فرصة جديدة، لكنها قد تكون من الفرص الأخيرة. فإذا نجحت الدولة في كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، واستعادة قرارها الكامل، تكون قد وضعت نفسها على سكة الإنقاذ الحقيقي. أما إذا بقيت هذه الملفات أسيرة التسويات والاصطفافات، فإن الأزمات ستتبدل في عناوينها، لكنها ستبقى واحدة في نتائجها، أي دولة ضعيفة، واقتصاد منهك، ومواطن يدفع الثمن.
ويبقى وضع الجنوب المقلق الشغل الشاغل للمسؤولين، الذين يسعون عبر المفاوضات المباشرة، وإن شهدت جولتها السابعة في روما بعض التعثّر، إلى تأمين انسحاب متدرج للجيش الإسرائيلي وعودة الأهالي إلى قراهم والمباشرة بورشة إعادة الاعمار، على أن يتصدّر موضوع مستقبل قوات “اليونيفيل” الهمّ اليومي لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي سيزور روما غدا لهذه الغاية، وذلك تلافيًا لأي فراغ قد يحدث مع انتهاء عمل هذه القوات.
ثلاثة ملفات… وثلاثة مفاتيح لإنقاذ لبنان

لم يعد لبنان يحتمل تأجيل الملفات الكبرى أو ترحيلها من عهد إلى آخر. فبعد سنوات من الحروب والأزمات والانهيارات، لم يعد السؤال كيف يخرج اللبنانيون من الأزمة، بل هل تملك الدولة الجرأة على فتح الملفات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه؟
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك